الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لم تغيّر فقط ميزان القوى العسكرية، بل بدأت تكشف بوضوح كيف تُعاد كتابة خريطة التجارة في المنطقة، وكيف تتهاوى الأوهام التي حاولت واشنطن وتل أبيب فرضها بالقوة، مدعومة بدعاية سياسية وتطبيع قسري، وبأدوار إقليمية مبنية على التبعية، وفي مقدمتها الدور الإماراتي.

الممر الذي تم الترويج له في قمة العشرين عام 2023، لربط الهند بأوروبا عبر الإمارات و ”إسرائيل”، لم يكن مشروعاً اقتصادياً بحتاً، بل كان محاولة أمريكية لفرض واقع جيوسياسي جديد، يضع “إسرائيل” في قلب التجارة العالمية، ويجعل المنطقة تدور في فلكها. هذا المشروع قُدّم كبديل لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، لكن الحرب على إيران كشفت أن ما بُني على العنجهية السياسية لا يصمد أمام أول اختبار ميداني.

في 26 مارس، أعلنت شركة السكك الحديدية السعودية تشغيل ممر شحن دولي جديد يربط موانئ الدمام والجبيل بالحدود الأردنية، عبر خط بطول 1700 كيلومتر، ينقل أكثر من 400 حاوية في الرحلة الواحدة، ويقلّص زمن النقل إلى النصف مقارنة بالشحن البري. هذا التطور لم يأتِ كبديل رسمي للممر القديم، بل كإعادة فرض للواقع بعيداً عن المسار الذي حاولت واشنطن وتل أبيب فرضه.

المخطط الأصلي كان يقوم على جعل الإمارات بوابة دخول رئيسية للبضائع الآسيوية، وعلى تحويل ميناء حيفا إلى نقطة عبور أساسية نحو أوروبا. لكن الحقيقة التي تكشفت أن “إسرائيل” لم تكن طرفاً أصلاً في الاتفاق، بل حاولت فرض نفسها كمركز لا يمكن تجاوزه، بدعم سياسي أمريكي، دون أي التزام فعلي من بقية الأطراف.

لم يتم توقيع اتفاق نهائي مع الهند، ولا مع دول الخليج، ومع ذلك تصرفت “إسرائيل” وكأنها عقدة أساسية في المشروع. الحرب على إيران جاءت لتكشف هذا الوهم، وتضعه في حجمه الحقيقي.

ما يُبنى الآن يتم عبر الرياض والدوحة، وليس عبر أبوظبي أو تل أبيب. قبل تشغيل الممر الجديد بأسابيع، وقّعت السعودية وقطر اتفاقاً واسعاً يشمل ممرات بحرية مشتركة، ومراكز توزيع إقليمية، وتنسيق استثمارات لوجستية. البضائع القادمة من آسيا تصل إلى الخليج، ثم تُنقل عبر شبكة السكك الحديدية السعودية التي نقلت أكثر من 30 مليون طن في عام 2025 عبر شبكة تمتد 5500 كيلومتر.

خط الشمال-الجنوب، الذي أُنشئ أساساً لنقل الفوسفات والمعادن، تحوّل إلى شريان رئيسي لنقل الحاويات، يربط الخليج ببلاد الشام والبحر المتوسط. هذه ليست مجرد بنية تحتية، بل إعادة توزيع للقوة الاقتصادية بعيداً عن المسار الذي حاولت الإمارات احتكاره.

الإمارات لم تُقصَ بقرار سياسي… بل سقطت وظيفياً مع أول أزمة. نموذجها القائم على كونها مركز عبور عالمي يعتمد على حرية الملاحة انهار فور أن أصبحت هذه الملاحة خارج سيطرتها. منذ 28 فبراير، ومع سيطرة إيران على مضيق هرمز بشكل انتقائي، تراجعت حركة ناقلات النفط بأكثر من 90%، وأوقفت كبرى شركات الشحن العالمية—ميرسك، هاباغ لويد، CMA CGM، وMSC—مرورها عبر المضيق.

ميناء جبل علي، الذي كان يُقدَّم كأكبر ميناء في الشرق الأوسط، أصبح يعاني من اختناقات بسبب تحويل السفن، فيما أصبح تدفق التجارة مرهوناً بإرادة إيران، وليس بالدعاية الإماراتية ولا بالضمانات الأمريكية.

في المقابل، لم تجد الإمارات سوى محاولة التمسك بأطراف الممر، وليس قلبه. حصلت على امتياز إدارة ميناء العقبة في الأردن لمدة 30 عاماً، الذي يمر عبره 80% من صادرات الأردن و65% من وارداته، إضافة إلى استثمارات في موانئ سوريا مثل طرطوس واللاذقية. لكنها تحولت من بوابة رئيسية إلى مشغل في نهاية السلسلة، بعد أن كانت تحاول تقديم نفسها كمركز لا غنى عنه.

أما “إسرائيل”، التي حاولت فرض نفسها كجسر نحو أوروبا، فتواجه واقعاً أكثر قسوة. ميناء حيفا، الذي كان يُفترض أن يكون نقطة الربط الرئيسية، يعمل اليوم داخل منطقة حرب، ويتعرض لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة منذ 28 فبراير. الحديث عن تحويله إلى مركز للتجارة الدولية في هذا الوضع لا يتجاوز كونه دعاية سياسية.

ورغم ذلك، يواصل بنيامين نتنياهو الترويج لفكرة أن “إسرائيل” ستكون ممراً للطاقة بعد الحرب، في محاولة لاستثمار العدوان سياسياً واقتصادياً، رغم أن الوقائع على الأرض تُظهر أن هذا الطرح يفتقد لأي أساس عملي.

في الوقت نفسه، تتحرك شركات الشحن العالمية في اتجاه مختلف. شركة هاباغ لويد الألمانية وافقت على شراء شركة ZIM الإسرائيلية مقابل 4.2 مليار دولار، فيما يمتلك صندوق الاستثمارات العامة السعودي 10.2% من هاباغ لويد، وتمتلك هيئة الاستثمار القطرية 12.3%. أي أن النفوذ الفعلي على جزء من شبكة الشحن المرتبطة بـ”إسرائيل” لم يعد إسرائيلياً خالصاً.

هذا ليس التطبيع الذي حلمت به تل أبيب، حيث تكون مركزاً لا يمكن تجاوزه، بل واقع جديد تُستخدم فيه “إسرائيل” كخيار، وليس كضرورة.

الممر الجديد يقوم على تعدد المسارات: عبر سوريا، والأردن، وربما تركيا، مع إمكانية إدخال “إسرائيل” ضمن هذه المسارات، دون أن تكون شرطاً أساسياً. وجود عدة نقاط خروج يمنع أي طرف من احتكار الممر أو فرض شروطه، وهو ما يسقط فكرة الهيمنة التي حاولت واشنطن فرضها.

السعودية، تحديداً، تُبقي خيار التعامل مع “إسرائيل” مفتوحاً ومشروطاً، دون أي التزام سياسي أو استراتيجي دائم، وهو ما يناقض تماماً الرواية التي يحاول نتنياهو تسويقها عن اقتراب تطبيع شامل.

ما يحدث اليوم هو إعادة بناء كاملة لشبكة التجارة في المنطقة، بعد سقوط الشروط السياسية التي كان يقوم عليها المشروع القديم، وعلى رأسها فرض التطبيع، وتجاهل القضية الفلسطينية، وضمان بيئة أمنية مستقرة تحت الهيمنة الأمريكية، لكن هذه الشروط لم تعد موجودة.

والممر لم ينتهِ… لكنه خرج من تحت السيطرة الأمريكية-الإسرائيلية، وأُعيد تشكيله وفق موازين جديدة، كشفت حدود القوة، وأسقطت أوهام السيطرة، وأظهرت أن ما بُني على البلطجة السياسية لا يمكن أن يستمر.