في تطور لافت على الساحة الإقليمية، جاء اللقاء الأول من نوعه بين الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، ليشكّل مؤشراً قوياً على دخول الأزمة السورية في طور جديد من التعاطي السياسي والدبلوماسي، بعد أكثر من عقد من الحرب والعزلة الدولية.
هذا اللقاء الذي جرى في مدينة إسطنبول التركية، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، يضع علامات استفهام كبيرة حول التحولات الجارية في الموقف الأميركي من سوريا، ودلالات رفع العقوبات، وما يمكن أن يعنيه هذا التحول بالنسبة لمستقبل الشعب السوري الذي قاوم عقوداً من الاستبداد والإرهاب والاحتلال والتجويع.
![]()
التحول الأميركي.. من العقوبات إلى الاستثمار
لطالما اتسم الموقف الأميركي من النظام السوري بالتشدد، خاصة في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي وقّع “قانون قيصر” لفرض عقوبات اقتصادية مشددة على النظام، بذريعة انتهاكاته بحق المدنيين.
لكن المفارقة أن ذات الإدارة تعود اليوم لرفع العقوبات وتمنح سوريا “ترخيصًا عامًا” يسمح بانخراط دول المنطقة في مشاريع استثمارية على أراضيها.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن تطورات الميدان والسياسة؛ فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على مواصلة سياسة “الضغط الأقصى” في ظل انشغالها بمنافسات كبرى مع الصين وروسيا، فضلًا عن الانفجار الجيوسياسي في الشرق الأوسط بعد الحرب على غزة وما أفرزته من تحولات في موازين القوى والتحالفات.
ومن هنا، يمكن فهم تصريح توماس باراك عن أن رفع العقوبات “يحافظ على هدف هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية” كمحاولة لإعادة صياغة استراتيجية واشنطن من أداة العقوبات إلى أدوات “الاحتواء الاقتصادي”، وهو ما يمهّد للحديث عن استقرار طويل الأمد تراه واشنطن ممكنًا فقط من خلال مشاركة سياسية ودعم اقتصادي لا من خلال الحصار والعزل.
الشرع يمد اليد.. والإرادة الشعبية تنتصر
اللافت في البيان الصادر عن الخارجية السورية هو لهجته التصالحية التي رحّبت بالقرار الأميركي، وأكدت على أهمية “الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”، في إشارة مباشرة إلى طي صفحة الوصاية والتدخل الخارجي الذي ظل سمة بارزة للعلاقات الدولية تجاه دمشق على مدى السنوات الماضية.
هذه اللهجة لا تعني بالضرورة تغيّراً في جوهر الموقف السوري الرسمي، بقدر ما تعكس إدراكاً عميقاً لضرورة فتح الباب أمام مسار جديد يرتكز على إعادة بناء الدولة السورية بما يتماشى مع تطلعات الشعب، لا مع أجندات القوى الدولية أو الإقليمية.
فاللقاء بين الشرع وباراك يعكس أول انتصار ملموس لإرادة الشعب السوري، التي طالما ناضلت من أجل الخلاص من الاستبداد والإرهاب والإقصاء، وهو ما بات اليوم أقرب للتحقق مع بداية إعادة سوريا إلى الخريطة السياسية الدولية، لكن من موقع جديد لا يُدار بالتحالفات العسكرية أو الطائفية، بل على أسس شراكة تنموية وسياسية.
تحديات إعادة الإعمار والتوازن مع إسرائيل
رغم اللهجة الإيجابية، إلا أن بيان المبعوث الأميركي تضمّن رسائل سياسية حساسة، مثل دعوته الشرع إلى “اتخاذ خطوات ملموسة بشأن المقاتلين الأجانب والعلاقات مع إسرائيل”، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الثمن السياسي المطلوب مقابل رفع العقوبات.
فهل سيكون التطبيع مع إسرائيل ضمن شروط الانفتاح الأميركي على دمشق؟ وهل ستقبل الإدارة السورية الجديدة بأن تكون إعادة الإعمار مشروطة بتفاهمات سياسية تمس جوهر السيادة والقضية الفلسطينية؟
هنا يبرز التحدي الأكبر الذي سيواجه إدارة الشرع: كيف يمكن استثمار الانفتاح الدولي دون الوقوع في فخ الإملاءات؟ وكيف يمكن إعادة بناء سوريا بما يحقق العدالة للضحايا ويعزّز السيادة الوطنية، دون تقديم تنازلات تمس الثوابت السورية والعربية؟
الجواب على هذا السؤال يظل رهنًا بمدى قدرة الدولة السورية الجديدة على إدارة التحول بحكمة، وعلى تمكين الشعب السوري نفسه من أن يكون الطرف الفاعل في مستقبل بلاده لا مجرد متلقٍ للقرارات الدولية.
تركيا وسيط أم منصة لإعادة التوازن؟
انعقاد اللقاء في إسطنبول، بعد لقاء الشرع بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ليس تفصيلًا عابرًا. فتركيا، التي لعبت سابقًا دورًا كبيرًا في دعم المعارضة، باتت اليوم تمثل منصة استراتيجية لإعادة هندسة التوازنات في سوريا.
وقد تكون أنقرة، من خلال هذه الوساطة غير المعلنة، قد ساهمت في فتح قنوات التواصل بين دمشق وواشنطن، مقابل دور تركي فاعل في عملية إعادة الإعمار، خصوصًا في الشمال السوري.
ولعل تركيا تسعى هنا إلى استعادة موقعها كضامن إقليمي في الملف السوري، بعد أن خسرت الكثير من أوراقها خلال سنوات الحرب والتدخلات الروسية الإيرانية.
الشعب السوري أولًا.. لا واشنطن ولا موسكو
وسط كل هذه التحولات، تظل الحقيقة الأهم أن الشعب السوري هو من دفع الثمن الأكبر على مدى سنوات من الدمار والتشريد والتجويع. واليوم، بينما يتفاوض القادة والدبلوماسيون، يظل المواطن السوري يأمل أن يرى تغييرًا حقيقيًا في حياته اليومية، من الكهرباء إلى الغذاء إلى الأمان.
إن رفع العقوبات وبدء الحوار لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية الربح السياسي للنظام أو لحلفائه، بل من منظور الحقوق الأساسية للمواطنين، ومن زاوية العدالة الانتقالية التي لا بد أن تضع حداً للإفلات من العقاب وتفتح المجال لمصالحة وطنية حقيقية.
فإرادة السوريين التي لم تكسرها الحرب ولا القصف ولا التجويع، لن تسمح بتحويل البلاد إلى ساحة تصفيات سياسية أو صفقات اقتصادية مغلقة على النخب. وهذه الإرادة ستفرض عاجلًا أو آجلًا طريقاً جديداً لسوريا: طريق الدولة المدنية الديمقراطية العادلة التي يشارك الجميع في صنعها.
اللقاء خطوة.. ولكن الطريق طويل
لقاء الشرع بالمبعوث الأميركي في إسطنبول خطوة لها ما بعدها، لكنه ليس النهاية. فالمصالحة مع الشعب السوري أولًا، والمصالحة الوطنية ثانيًا، وطي صفحة القمع والفساد ثالثًا، هي الشروط الحقيقية لأي نهضة قادمة.
أما الأميركيون، فإن اختبار صدقيتهم سيكون في أفعالهم لا أقوالهم: هل يسعون فعلًا لإعادة إعمار سوريا من أجل شعبها، أم يعيدون تدوير نفوذهم من بوابة الاقتصاد؟
وفي كل الأحوال، فإن ولادة سوريا جديدة لن تتحقق بإملاءات السفراء ولا بصفقات المال، بل بإرادة أبناءها الذين أثبتوا أنهم أقوى من كل العواصف.
اقرأ أيضًا : دموع الفرح بعد سنوات العذاب: سوري يمزق خيمة النزوح احتفالًا بالعودة