كشفت تقارير إعلامية حديثة عن تفاصيل مكالمة سرية جرت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب على إيران، في اتصال اعتُبر لاحقاً أحد أهم اللحظات التي مهّدت للتصعيد العسكري الكبير في المنطقة. ووفق ما أورده موقع “أكسيوس”، فإن المكالمة التي جرت في 23 فبراير داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض لم تكن مجرد نقاش سياسي عابر، بل شكلت نقطة تحول حاسمة دفعت الإدارة الأمريكية نحو اتخاذ قرار شن ضربة عسكرية واسعة على طهران، في خطوة أثارت موجة من الانتقادات والاتهامات لواشنطن وتل أبيب بجر المنطقة إلى حرب خطيرة دون تفويض دولي أو توافق دولي.
التقرير يكشف أن نتنياهو قدم خلال الاتصال معلومات استخباراتية وصفها مسؤولون بأنها “مذهلة”، مشيراً إلى فرصة نادرة لتنفيذ ضربة جوية واحدة قد تكون كفيلة بالقضاء على القيادة الإيرانية دفعة واحدة. هذه الرواية، بحسب المصادر، أثرت بشكل مباشر على موقف ترامب الذي كان يدرس بالفعل خيار توجيه ضربة لإيران، لكنه لم يكن قد حسم توقيتها. وبمجرد انتهاء المكالمة، بدأ مسار القرار يتجه بسرعة نحو الخيار العسكري، في ما يعكس حجم التنسيق العميق بين الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي في التخطيط للهجوم.

تنسيق استخباراتي وعسكري سبق الضربة بأسابيع
تشير التفاصيل التي نقلتها المصادر إلى أن الاتصال لم يكن خطوة منفصلة، بل جاء تتويجاً لشهور من التنسيق المكثف بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي. فقد عقد الزعيمان لقاءين مباشرين وأجريا ما لا يقل عن 15 اتصالاً هاتفياً خلال شهرين سبقا الهجوم، في إطار تحضير مشترك للعملية العسكرية. هذا المستوى من التنسيق يكشف أن الضربة لم تكن قراراً مفاجئاً بل نتيجة خطة متدرجة شاركت فيها أجهزة استخبارات وقيادات عسكرية من الطرفين.
داخل البيت الأبيض، جرى تقييم سريع للمعلومات التي قدمتها إسرائيل، حيث طلب ترامب من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إجراء مراجعة فورية للمعطيات التي قدمتها الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بشأن مكان وجود القيادة الإيرانية. ووفق ما ورد في التقرير، فإن الوكالة الأمريكية أكدت في تقييمها الأولي مصداقية المعلومات، ما زاد من قناعة الإدارة الأمريكية بإمكانية تنفيذ العملية.
وبحلول 26 فبراير، كانت وكالة الاستخبارات قد توصلت إلى تأكيد كامل بأن القيادات الإيرانية المستهدفة ستكون مجتمعة في الموقع المحدد، وهو ما وصفه أحد المسؤولين بأنه “فرصة لا يمكن تفويتها”. هذا التقييم الاستخباراتي شكل العامل الحاسم الذي سرّع اتخاذ القرار النهائي بتنفيذ الضربة.
فشل المسار الدبلوماسي يفتح الباب للحرب
في الوقت نفسه، كانت واشنطن تحاول إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً ظاهرياً، حيث أجرى مبعوثا ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، محادثات في جنيف مع مسؤولين إيرانيين. لكن هذه المحادثات انتهت إلى طريق مسدود، بحسب ما أبلغه المبعوثان للبيت الأبيض بعد عودتهما.
المسؤولون الذين نقلوا تفاصيل المحادثات أكدوا أن الرسالة التي وصلت إلى ترامب كانت واضحة: إيران ليست مستعدة لتقديم تنازلات تلبي مطالب الإدارة الأمريكية. وهنا، وفق الرواية الأمريكية، تبلورت قناعة لدى ترامب بأن المسار الدبلوماسي قد وصل إلى نهايته، وأن العمل العسكري أصبح الخيار الوحيد المتبقي.
عند الساعة الثالثة وثمانٍ وثلاثين دقيقة بعد ظهر يوم الجمعة، أصدر ترامب الأمر النهائي بتنفيذ العملية. وبعد نحو 11 ساعة فقط، كانت الطائرات قد بدأت قصف طهران، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، ويُقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في الضربة التي أشعلت الحرب.
دور نتنياهو في تسريع المواجهة
رغم محاولات الإدارة الأمريكية التقليل من دور نتنياهو في دفع واشنطن نحو الحرب، فإن المعلومات التي كشفها التقرير تشير إلى أن رئيس حكومة الاحتلال لعب دوراً أساسياً في تسريع القرار العسكري. فبينما كانت الخطة الأصلية تقضي بتأجيل الضربة حتى نهاية مارس أو بداية أبريل، ضغط نتنياهو من أجل تنفيذها بشكل أسرع.
وبحسب مسؤولين أمريكيين، حذر نتنياهو من أن تأخير العملية قد يؤدي إلى فقدان الهدف الاستخباراتي، مدعياً أن قيادات المعارضة الإيرانية قد تتعرض للتصفية أو الاختفاء قبل تنفيذ الضربة. هذا الضغط أدى إلى تقليص الجدول الزمني للعملية، وهو ما وضع الإدارة الأمريكية في موقف صعب، حيث اضطرت لاحقاً إلى تبرير الهجوم بعد وقوعه بدلاً من إعداد الرأي العام الأمريكي مسبقاً له.
حرب تقررت في غرف مغلقة
تكشف تفاصيل هذه المكالمة السرية أن قرار الحرب لم يكن نتيجة نقاشات علنية أو تقييمات مؤسساتية واسعة، بل اتخذ داخل دائرة ضيقة للغاية من القادة والمسؤولين الأمنيين. هذا النمط من اتخاذ القرار أثار انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، حيث اعتبر كثير من المشرعين أن إدارة ترامب تورطت في حرب خطيرة دون تفويض من الكونغرس أو دعم دولي واضح.
كما أن عنصر المفاجأة الذي رافق الضربة أدى إلى فوضى كبيرة في المنطقة، إذ فوجئ آلاف الأمريكيين المقيمين في الشرق الأوسط باندلاع الحرب دون أي خطة إجلاء مسبقة. واضطرت وزارة الخارجية الأمريكية لاحقاً إلى تنفيذ عملية إجلاء طارئة لأكثر من 1500 مواطن أمريكي كانوا عالقين في مناطق التوتر.
في النهاية، تكشف هذه التسريبات أن العدوان على إيران لم يكن مجرد رد فعل على تهديدات أمنية كما حاولت واشنطن وتل أبيب تصويره، بل نتيجة تنسيق سياسي وعسكري طويل بين إدارة ترامب وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة يرى كثير من المراقبين أنها أعادت رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط ودفعت المنطقة إلى حافة مواجهة إقليمية واسعة.