في وقت تلتزم فيه معظم الصحف العربية الصمت أو تكرر الرواية الرسمية، تتكشف عبر التقارير الأجنبية صورة مختلفة تمامًا عمّا يجري في الإمارات، حيث تشهد دبي واحدة من أعنف موجات القصف الجوي منذ أسابيع، وسط انفجارات ضخمة هزّت المدينة خلال عمليات اعتراض جوي ليلي، في ظل تصعيد مستمر للهجمات الإيرانية التي لم تتوقف منذ بداية الحرب.
وأفادت التقارير بأن دوي انفجارات هائلة سُمع في مختلف أنحاء دبي – الليلة الماضية-، في مشهد يعكس حجم التهديد الحقيقي الذي تعيشه المدينة، رغم محاولات السلطات التقليل من خطورته عبر وصفه بأنه مجرد “عمليات اعتراض ناجحة للدفاع الجوي”. غير أن شهادات السكان على وسائل التواصل الاجتماعي كشفت حالة من الذعر الحقيقي، حيث وصف أحدهم الصوت بأنه “ضخم جدًا” وأن الجميع كان في حالة خوف، معتقدين أنه صاروخ مباشر، بينما أكد آخرون أنه كان أعنف دوي منذ بداية التصعيد.
ورغم هذا الواقع، تواصل السلطات فرض رقابة صارمة على أي محتوى يوثق هذه الهجمات، في محاولة للحفاظ على صورة “الأمان والاستقرار”، حيث تم اعتقال المئات بسبب تصوير أو مشاركة مشاهد القصف، من بينهم عشرات البريطانيين الذين تعرضوا للاحتجاز في ظروف وصفت بأنها قاسية ومهينة، شملت الحرمان من النوم والطعام والدواء، بل وتعرض بعضهم للضرب، وفق شهادات منظمات حقوقية.
ونقلت التقارير عن رادها ستيرلينغ، مؤسسة منظمة Detained in Dubai، أن المعتقلين يُجبرون على البقاء مستيقظين لساعات طويلة، ويُحرمون من الاحتياجات الأساسية، ويُجبرون على توقيع وثائق دون حضور ممثلين قنصليين، في ظل تدهور الأوضاع داخل السجون بسبب ضغط الحرب. كما حذرت من أن المواطنين البريطانيين يواجهون خطرًا أكبر بسبب ضعف التدخل الحكومي لحمايتهم.
من جانبه، وصف ديفيد هيغ، مؤسس منظمة Dubai Watch، ما يحدث بأنه محاولة لحماية “العلامة التجارية اللامعة” لدبي بأي ثمن، مؤكدًا أن من يلتقط صورة لصاروخ أو طائرة مسيّرة يتحول فورًا إلى “عدو”، يتم اعتقاله وإخفاؤه وتهديده، وإجباره على الإبلاغ عن الآخرين، مع مواجهة عقوبات قد تصل إلى سنوات من السجن.
وفي الوقت ذاته، تفرض القوانين الإماراتية قيودًا مشددة تصل إلى حد اعتبار مجرد تلقي صورة عبر الهاتف جريمة قد تصل عقوبتها إلى عشر سنوات سجن، حيث تقوم الشرطة بتفتيش الهواتف ميدانيًا، وتعقب كل من يشارك أو يستقبل محتوى يتعلق بالهجمات. كما يُحرم المعتقلون في كثير من الحالات من الاتصال بمحامين أو بالسفارات، ولا يتم إبلاغ الجهات القنصلية باعتقالهم، ما يجعل الأعداد الحقيقية للمحتجزين غير معروفة.
وبالتوازي مع هذا القمع، تتصاعد المخاوف من حجم الدمار الحقيقي الذي تتعرض له الإمارات، خاصة مع استمرار إطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاهها، حيث حذّر الخبير الاقتصادي الأمريكي Jeffrey Sachs من أن مدنًا مثل دبي وأبوظبي قد “تُدمر بالكامل” في حال تصاعد النزاع، مؤكدًا أن هذه المدن ليست مجهزة لحرب طويلة، بل هي بالأساس وجهات سياحية واستثمارية، ما يجعل دخولها في صراع عسكري تهديدًا مباشرًا لوجودها الاقتصادي.
وقد بدأت بالفعل آثار هذا التصعيد تظهر بوضوح، حيث تحولت مناطق كانت تعج بالحياة إلى ما يشبه “مدن الأشباح”، مع مغادرة آلاف المقيمين والمؤثرين الأجانب، وتزايد حالات الهروب الجماعي من البلاد، خاصة بعد استهداف مناطق حيوية وفنادق فاخرة، من بينها فندق فاخر على نخلة جميرا.
كما بدأت التداعيات الاقتصادية في الظهور، مع تقارير عن إنهاء عقود عدد من العاملين في القطاع التعليمي، خاصة في المدارس الخاصة، في ظل توجه العديد من العائلات لمغادرة البلاد وسحب أبنائهم من المدارس، ما دفع المؤسسات إلى تقليص النفقات والتحول إلى التعليم الهجين.
هكذا، وبين انفجارات تُسمع في السماء وواقع يُقمع على الأرض، تتكشف صورة مغايرة تمامًا لما تروّج له الصحافة العربية، حيث لا يُنقل حجم الدمار الحقيقي ولا حالة الخوف التي يعيشها السكان، في ظل نظام يسعى إلى إخفاء الحقيقة وفرض رواية واحدة، مهما كان الثمن.