لم يكن وائل الطحّان يتخيل أن يصل به الحال إلى هذه اللحظة: أن يقف أمام بيته، لا ليحميه، بل ليهدمه بيديه. قبل أربع سنوات، هدمت السلطات الإسرائيلية منزله الأول في القدس، منزل عاش فيه ثلاثين عاماً، بحجة “البناء دون ترخيص”. يومها ظن أن الكارثة انتهت عند هذا الحد، وأن ما تبقى له—شقة صغيرة—قد يكون ملاذه الأخير. لكن ذلك الأمل لم يدم طويلاً. في هذا العام، وجد نفسه مجدداً أمام القرار ذاته، إلا أن هذه المرة كانت أكثر قسوة: إما أن يهدم منزله بنفسه، أو يدفع عشرات آلاف الدولارات للسلطات الإسرائيلية كي تهدمه عنه.

في مدينة تُدار بمنظومة تمييزية صارخة، لم يعد الأمر يتعلق فقط بفقدان البيت، بل بالإذلال المصاحب له. يُجبر الفلسطيني على أن يكون شريكاً في تدمير حياته، وأن يشارك بيديه في محو ذكرياته. يشبه كثيرون هذا المشهد بعبارة قاسية لكنها صادقة: “كأنك تقتلع عينيك بيديك”. ومع ذلك، يختار البعض هذا الخيار، لا لأنه أقل ألماً، بل لأنه أقل كلفة.

يقول الطحّان، في شهادته: “وصلت إلى طريق مسدود مع بلدية القدس التابعة للاحتلال. دفعت أكثر من 40 ألف دولار غرامات على مدى السنوات الماضية، والآن يريدون أكثر من 30 ألف دولار إضافية لهدم المنزل. لم يتركوا لنا أي خيار”. لم يكن أمامه سوى أن يحمل أدوات الهدم، وأن يبدأ بتفكيك الجدران التي كانت يوماً تحمي أسرته. “لم يتركوا لنا أن نعيش بسلام”، يقولها بمرارة رجل لم يُترك له حتى حق الحزن.

ما يعيشه الطحّان ليس حالة فردية، بل جزء من سياسة ممنهجة تتصاعد في القدس. منذ بداية هذا العام فقط، تم تدمير نحو 150 منزلاً فلسطينياً بقرارات من المحاكم الإسرائيلية، من بينها 23 حالة “هدم ذاتي”. وفي كل مرة، تتكرر القصة نفسها: معركة قانونية طويلة، قرارات نهائية بالهدم، ثم خيار قاسٍ بين دفع مبالغ طائلة أو تنفيذ الهدم باليد.

هذه المعارك القانونية ليست عادلة من الأساس. فهي تدور حول “البناء دون ترخيص”، في واقع يجعل الحصول على ترخيص للبناء في القدس الشرقية أمراً شبه مستحيل. المخططات الهيكلية التي وضعتها بلدية القدس تخصص فقط 14% من أراضي المدينة للبناء في الأحياء الفلسطينية، بينما تُصنف بقية الأراضي كمناطق خضراء، تُمنع فيها أي أعمال بناء. هذا ليس تنظيماً عمرانياً، بل أداة واضحة لتقييد الوجود الفلسطيني ودفعه إلى الانكماش.

في حي البستان، تتكرر المأساة ذاتها. محمد عودة اضطر إلى هدم منزله ومنزل شقيقه بيديه. قرار الهدم صدر منذ عام 2009، بذريعة أن الموقع يقع في منطقة تُعتبر، وفقاً للأوهام الإسرائيلية، “أقرب نقطة بين الأرض والسماء”. دفع عودة 70 ألف دولار غرامات، ثم وجد نفسه مضطراً إلى تنفيذ الهدم بنفسه، هرباً من تكاليف أكبر.

لم يعد لديه منزل. هو وعائلته، وكذلك عائلة شقيقه، يعيشون الآن لدى أقاربهم، في انتظار إيجاد مكان جديد داخل القدس. ومع ذلك، يصرّ على البقاء: “سأبقى هنا حتى لو اضطررت للعيش تحت شجرة”. عبارة تختصر علاقة الفلسطيني بأرضه، مهما بلغت قسوة الواقع.

وخلال حديثه، كان جاره محمد قويدر يهدم منزله هو الآخر. نفس المشهد، نفس الألم، نفس الصمت الثقيل الذي يرافق سقوط الجدران. يؤكد قويدر أن عائلته تملك وثائق تثبت ملكيتها للأرض منذ القرن السابع عشر، وأنهم يمتلكون أكثر من 20 منزلاً في المنطقة. لكن حتى هذه الوثائق لا تحميهم في ظل نظام يفرض قواعده بالقوة.

الأرقام تكشف حجم الكارثة. خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام فقط، تم هدم أكثر من 147 منزلاً في القدس، بينها 23 حالة هدم ذاتي. وفي عام 2025، بلغ عدد المنازل التي هدمتها إسرائيل 367 منزلاً، فيما تجاوز العدد 1200 منزل خلال السنوات الخمس الماضية.

يقول معروف الرفاعي، المستشار القانوني لمحافظة القدس، إن هذا الارتفاع “غير مسبوق”. ويوضح أن إسرائيل تفضّل “الهدم الذاتي” لأنه يجنّبها الظهور أمام العالم وهي تقتحم منازل الفلسطينيين. إنها طريقة لإخفاء العنف، لا لإيقافه.

أما من يرفض تنفيذ الهدم بنفسه، فيُجبر على دفع التكلفة كاملة: الجرافات، قوات الأمن، سيارات الإسعاف، فرق الدفاع المدني، وحتى الكلاب المستخدمة للحراسة. “حتى ثمن الكلاب يُحمّلوننا إياه”، يقول الرفاعي. ويضيف أن الفلسطيني قد يُجبر على العمل لسنوات طويلة فقط لسداد تكلفة هدم منزله.

ما يجري في القدس ليس مجرد إجراءات إدارية أو مخالفات بناء، بل سياسة متكاملة تعكس نظام فصل عنصري واضح المعالم، يُقيد الفلسطيني في كل تفاصيل حياته، من حقه في البناء، إلى حقه في السكن، إلى حقه في البقاء.

في هذا الواقع، لا يُسلب الفلسطيني منزله فقط، بل يُسلب منه شعوره بالأمان، وحقه في الاستقرار، وحتى حقه في الحزن على ما يفقده. يُجبر على أن يهدم، وأن يدفع، وأن يصمت.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا المشهد:

أي قهرٍ هذا، حين يتحول الإنسان إلى أداة في تدمير حياته، تحت سلطة نظام لا يكتفي بهدم البيوت، بل يسعى إلى كسر الإنسان نفسه؟