في الوقت الذي تلتزم فيه وسائل الإعلام الإماراتية صمتًا كاملاً، تتصدر فضيحة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان عناوين الصحافة الأجنبية، كاشفةً واحدة من أخطر القضايا التي تطارد مالك نادي مانشستر سيتي. تقارير غربية متعددة تضعه في قلب اتهامات مباشرة تتعلق بدعم ميليشيا قوات الدعم السريع في السودان، وهي الميليشيا التي ارتكبت مجازر واسعة، وعمليات اغتصاب جماعي، وعمليات قتل وتطهير بحق المدنيين، في واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في السنوات الأخيرة. وبينما يُقدَّم الرجل في بلده كواجهة للنجاح والنفوذ، تكشف هذه التقارير صورة مختلفة تمامًا، تربطه بشبكات دعم عسكري ومالي ساهمت في استمرار الحرب وتفاقم الجرائم على الأرض، في فضيحة تتسع يومًا بعد يوم خارج حدود التعتيم الإعلامي.
القضية تفجّرت بعد أن تقدمت منظمة “فير سكوير” الحقوقية بشكوى رسمية إلى الحكومة البريطانية في 7 أبريل 2026، طالبت فيها بفتح تحقيق عاجل في دور الإمارات، وبشكل أكثر تحديدًا في دور الشيخ منصور، في تغذية الحرب الأهلية السودانية. الشكوى لم تقتصر على مطالبات عامة، بل استندت إلى ما وصفته بـ“أدلة وفيرة” من مصادر متعددة، من بينها فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، تشير إلى أن الإمارات قامت منذ يونيو 2023 بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والذخائر والإمدادات اللوجستية، في انتهاك مباشر لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة منذ عام 2004.
وبحسب ما ورد في الشكوى، فإن دور الشيخ منصور – نائب رئيس وزراء الإمارات- لا يقتصر على موقعه الرسمي داخل الدولة، بل يمتد إلى كونه “حلقة اتصال رئيسية وبارزة” بين الإمارات وقوات الدعم السريع، سواء قبل اندلاع الحرب في السودان أو بعدها. وتؤكد المنظمة أن هناك صلة مباشرة بينه وبين بنية الدعم التي مكّنت هذه القوات من الاستمرار في عملياتها، التي وثقتها الأمم المتحدة بأنها تحمل “سمات الإبادة الجماعية”، بما في ذلك القتل الجماعي، والتسبب في أذى جسدي ونفسي خطير، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى التدمير الجزئي أو الكلي لجماعات عرقية محددة.
التقارير تشير كذلك إلى تفاصيل أكثر دقة حول آلية هذا الدعم، حيث يُقال إن الشيخ منصور يسيطر أو يمتلك نفوذًا مباشرًا على كيانات إماراتية قامت بتمويل مستشفى ميداني في مطار داخل تشاد، وهو الموقع الذي تشير معلومات استخباراتية إلى أنه استُخدم كنقطة عبور لنقل الأسلحة والإمدادات إلى قوات الدعم السريع. كما تتحدث التقارير عن اعتراض أجهزة استخبارات أمريكية لمكالمات بين الشيخ منصور وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ“حميدتي”، بل وتؤكد أن مسؤولين أمريكيين واجهوه شخصيًا بشأن هذه الاتهامات.
ولا تتوقف الاتهامات عند الدعم العسكري فقط، بل تمتد إلى ما وُصف بدور إعلامي موازٍ، حيث تشير التقارير إلى أن الشيخ منصور يمتلك شركة “إنترناشيونال ميديا إنفستمنتس” التي تمتلك حصة في شبكة “سكاي نيوز عربية”، والتي اتهمها مراقبون دوليون بتقديم تغطية تُسهم في تبييض صورة الانتهاكات التي ترتكبها قوات الدعم السريع في السودان.
في السياق نفسه، تؤكد منظمة “فير سكوير” أن الإمارات سمحت لأفراد وكيانات مرتبطة بقوات الدعم السريع باستخدام أراضيها كقاعدة لتنسيق أنشطتهم المالية والعسكرية، دون أي تدخل يُذكر من السلطات المحلية، وهو ما يعزز فرضية وجود بيئة تشغيل آمنة لهذه الشبكات داخل الدولة.
هذه التطورات وضعت الشيخ منصور في دائرة الخطر المباشر داخل بريطانيا، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا على مستوى ملكيته لنادي مانشستر سيتي. ففي حال قررت الحكومة البريطانية فرض عقوبات عليه، فإن ذلك سيؤدي تلقائيًا إلى فقدانه أهلية امتلاك النادي، وفقًا لقواعد الدوري الإنجليزي الممتاز الخاصة باختبار المالكين والمديرين. هذه القواعد سبق أن طُبقت في حالة رجل الأعمال الروسي رومان أبراموفيتش، الذي أُجبر في عام 2022 على بيع نادي تشيلسي بعد فرض عقوبات عليه بسبب ارتباطه بالحكومة الروسية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس، حيث يستعد “المنظم المستقل لكرة القدم” في بريطانيا لتولي مسؤولية فحص ملكية الأندية اعتبارًا من الشهر المقبل، وهو ما يعني أن الشكوى المقدمة ضد الشيخ منصور لن تبقى في إطار سياسي فقط، بل ستخضع أيضًا لتدقيق تنظيمي مباشر قد يحدد مستقبل ملكيته للنادي.
بالتوازي مع ذلك، لا يزال نادي مانشستر سيتي يواجه 115 تهمة تتعلق بمخالفة القواعد المالية للدوري الإنجليزي، وهي القضية التي بدأت التحقيقات فيها منذ ثماني سنوات، دون صدور حكم نهائي حتى الآن، ما يضاعف من حجم الضغوط التي تحيط بالنادي ومالكه في آن واحد.
أما على الأرض في السودان، فإن حجم الكارثة الإنسانية التي ترتبط بهذه الاتهامات يجعل القضية أكثر خطورة. فالحرب المستمرة منذ عام 2023 أدت إلى مقتل أكثر من 150 ألف شخص، وتشريد نحو 12 مليون إنسان، فيما يحتاج ما يقارب 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وقد وصفت الأمم المتحدة ما يجري بأنه “موجة عنف شديدة الصدمة من حيث الحجم والوحشية”، مع تقارير عن مجازر جماعية، وعمليات اغتصاب واسعة، وتجويع متعمد للسكان، بل ودعوات صريحة للإبادة.
وفي بيان رسمي صدر في فبراير 2026، أكدت الحكومة البريطانية أن الأدلة على انتهاكات قوات الدعم السريع “ساحقة”، مشيرة إلى مشاهد قاسية تشمل إجبار المدنيين على الاختيار بين الموت جوعًا أو أكل علف الحيوانات، وتعرض الأطفال لعمليات اغتصاب جماعي، وقتل العائلات أثناء محاولتها الفرار.
في ظل كل هذه المعطيات، تجد بريطانيا نفسها أمام اختبار حقيقي: إما أن تتعامل مع هذه الاتهامات باعتبارها مجرد قضية سياسية، أو أن تستخدم الأدوات القانونية المتاحة لها لفرض عقوبات قد تمتد آثارها إلى قلب كرة القدم الإنجليزية. وفي هذا السياق، قال نيك ماكجيهان، مدير منظمة “فير سكوير”، إن الحكومة البريطانية إذا كانت جادة في وقف هذه الحرب، فإن صلة الشيخ منصور بقوات الدعم السريع وملكيته لنادٍ بحجم مانشستر سيتي تمثل “نقطة ضغط واضحة لا يمكن تجاهلها”.
حتى الآن، لم يصدر أي رد رسمي من الشيخ منصور أو من نادي مانشستر سيتي أو من الحكومة الإماراتية على هذه الاتهامات، رغم أن نسخة من الشكوى أُرسلت إليهم، ما يترك الملف مفتوحًا على تطورات قد تكون غير مسبوقة، ليس فقط على مستوى السياسة الدولية، بل أيضًا على مستوى واحدة من أكبر المؤسسات الرياضية في العالم.