في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الإسرائيلي الحافل بالدماء، ارتكبت قواته مجزرة مروّعة، مساء الأربعاء، بحق مئات الفلسطينيين شمالي قطاع غزة، كانوا في انتظار مساعدات غذائية وسط حصار خانق ومجاعة تتسع رقعتها يومًا بعد يوم.
بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد ارتفع عدد الشهداء إلى 51 فلسطينيا، فيما أصيب 648 آخرون بجراح متفاوتة، بعضهم في حالة خطرة، وذلك في منطقة “السودانية” شمال القطاع، عندما فتحت قوات الاحتلال نيرانها على جموع المدنيين الذين تجمّعوا لاستقبال شاحنات المساعدات القادمة من منطقة زيكيم.
المشهد كان مأساويًا بكل المقاييس: أطفال، نساء، وكبار سن خرجوا طلبًا لما يسدّ رمقهم، فعادوا أشلاء ممزقة، أو أجسادًا غارقة في الدماء، في وقت يفترض أن تكون فيه المساعدات الإنسانية “خطًا أحمر” وفق القانون الدولي، لكن في غزة، لا خطوط حمراء أمام آلة القتل الإسرائيلية.
![]()
الجوع كسلاح.. الاحتلال يحاصر ثم يقنص ضحاياه
ليست هذه المجزرة الأولى التي تستهدف المدنيين في طوابير المساعدات، بل حلقة جديدة في سلسلة ممنهجة يستخدم فيها الاحتلال الجوع كسلاح حرب، ضمن سياسة الإبادة الجماعية البطيئة.
المكتب الإعلامي في غزة أكد أن الاحتلال يتعمد تجويع السكان، ثم يصطادهم عند محاولاتهم البحث عن الغذاء، مضيفا أن قطاع غزة يحتاج 600 شاحنة يوميًا من الغذاء والوقود لتلبية الحد الأدنى من احتياجاته، بينما لم تدخل يوم الأربعاء سوى 112 شاحنة، معظمها تعرضت للنهب نتيجة الفوضى الأمنية التي يغذيها الحصار وفقدان السيطرة.
وتأتي هذه المجازر في وقت تُغلق فيه سلطات الاحتلال معظم المعابر الحيوية أمام دخول المساعدات، وخاصة معبر رفح، في ظل غياب أي آلية دولية ملزمة لإجبار إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
والأخطر أن استهداف المدنيين لم يعد استثناءً، بل صار نمطًا متكررًا يتعمد فيه الاحتلال قصف نقاط التوزيع أو مناطق تجمع الجائعين، ما يفضح زيف الادعاءات حول “الهدن الإنسانية”، التي يستخدمها لتبييض جرائمه، لا لحماية المدنيين.
صمت دولي مريب.. وجرائم ترتقي للإبادة الجماعية
في الوقت الذي تطالب فيه غزة بفك الحصار وتأمين المساعدات، تكتفي أغلب العواصم الدولية بالصمت أو بيانات باهتة، بينما تستمر المجازر في القطاع المحاصر منذ أكثر من 9 أشهر.
وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت الأربعاء أن حصيلة العدوان المتواصل على غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر ارتفعت إلى 60,138 شهيدا و146,269 مصابا، من بينهم أكثر من 8,970 شهيدًا سقطوا منذ استئناف العدوان في 18 آذار/مارس الماضي.
وخلال الساعات الـ24 الماضية فقط، تم تسجيل 104 شهداء و399 إصابة، ما يعكس استمرار سياسة الأرض المحروقة، رغم كل الضغوط الدولية الشكلية التي لم تترجم إلى خطوات عملية.
اللافت أن جيش الاحتلال، وفي نفس اليوم الذي ارتكب فيه مجزرة السودانية، كان قد أعلن عن “هدنة إنسانية” في ثلاث مناطق مكتظة بالسكان، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول جدية هذه الإعلانات، التي تستخدم غالبًا كغطاء لتمرير مجازر ميدانية.
وفي ظل هذه الأرقام والمشاهد الصادمة، يتساءل كثيرون: إلى متى ستبقى “العدالة الدولية” رهينة للمصالح السياسية؟ وأين صوت الأمم المتحدة التي تطالب بحماية المدنيين لكنها تعجز عن فتح معبر واحد لإدخال الغذاء والدواء؟
منظمات حقوقية: الاحتلال يستخدم الجوع والرصاص كأدوات تطهير جماعي
وصفت منظمات حقوقية محلية ودولية ما جرى في مجزرة السودانية بأنه “تطهير جماعي باستعمال الغذاء كسلاح”، مؤكدين أن منع الغذاء وقتل الجائعين جريمة مضاعفة، ترقى إلى جريمة حرب وإبادة جماعية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي.
وطالبت منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” بفتح تحقيق دولي عاجل ومستقل، داعية إلى محاكمة القادة الإسرائيليين المتورطين في هذه الجرائم، وليس فقط إدانتهم.
في المقابل، لم يصدر حتى اللحظة أي قرار عملي من مجلس الأمن لوقف العدوان أو فرض ممرات آمنة للمساعدات، وهو ما يُعزز شعور الضحايا الفلسطينيين بأن دماءهم لا تساوي شيئًا في ميزان القوى الدولية.
مجزرة السودانية.. صفحة جديدة في سجل العار العالمي
مجزرة الأربعاء في السودانية ليست فقط جريمة إسرائيلية، بل فضيحة أخلاقية دولية. لقد صار واضحًا أن الاحتلال لا يخشى شيئًا، لا محاكم، ولا عقوبات، ولا رأي عام، ما دام يجد غطاءً دوليًا وعجزًا أمميًا.
لكن الأكيد أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن ذاكرة الشعوب أوثق من أرشيف محكمة الجنايات. وبينما تُسفك دماء الأبرياء في طوابير الخبز، لا يزال العالم يناقش كيفية توزيع المساعدات، لا كيفية وقف القتل.
إن مجزرة السودانية علامة فارقة تؤكد أن غزة لا تجوع فقط.. بل تُذبح، والعالم يتفرج.
اقرأ أيضًا : الإفراج عن قاتل فلسطيني فاز بالأوسكار.. إسرائيل تكافئ القتلة وتخذل العدالة