في خطوة تعكس إجماعًا وطنيًا نادرًا بعد عامين من الحرب المدمرة، أعلنت حركات حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رفضها القاطع لأي وصاية أجنبية على قطاع غزة، مؤكدين أن إدارة القطاع “شأن فلسطيني داخلي بحت” لا يخضع لأي تدخل خارجي، مهما كانت الجهة أو الغطاء السياسي الذي يُقدَّم به.

وجاء البيان المشترك للحركات الثلاث مساء الجمعة، بالتزامن مع بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وانسحاب جزئي لقوات الاحتلال من القطاع. البيان الذي حمل نبرة سيادية واضحة، بدا بمثابة رد مباشر على محاولات أمريكية متزايدة – بزعامة الرئيس دونالد ترامب – لإعادة ترتيب الوضع في غزة بما يخدم أمن إسرائيل ومصالح واشنطن تحت عنوان “الوصاية الدولية المؤقتة”.
وأشادت الفصائل بجهود الوساطة القطرية والتركية والمصرية، معتبرة أن الاتفاق يشكل “هزيمة سياسية وأمنية لمخططات الاحتلال التي سعت لفرض التهجير الجماعي وإعادة احتلال غزة تحت غطاء أممي أو عربي مراقَب أمريكياً”. كما أكدت أن تحرير مئات الأسرى والأسيرات في الصفقة الجديدة يمثل “ثمرة لصمود المقاومة ووحدة الموقف الفلسطيني”.

 

واشنطن والوصاية: إعادة إنتاج الاحتلال
منذ انطلاق المفاوضات غير المباشرة في شرم الشيخ قبل أيام، دفعت إدارة ترامب نحو فكرة إقامة “هيئة إدارة مؤقتة لقطاع غزة” تضم أطرافاً عربية ودولية، بدعوى الإشراف على إعادة الإعمار ومنع عودة المقاومة إلى الحكم.
لكن خلف هذا الطرح، كما يقول مراقبون، تختبئ خطة أمريكية إسرائيلية لإقصاء المقاومة وإعادة صياغة الواقع السياسي في القطاع بما يتماشى مع رؤية تل أبيب لـ”غزة منزوعة السلاح”.
وكانت مصادر سياسية إسرائيلية قد تحدثت عن خطة ثلاثية المراحل أعدها فريق ترامب، تتضمن في مرحلتها الثانية إنشاء “مجلس إدارة مدني” تشارك فيه السلطة الفلسطينية وشخصيات من القطاع، تحت إشراف دولي مباشر، على أن يتولى الأمن “قوة متعددة الجنسيات” بمشاركة عربية.
ووفق تحليلات إسرائيلية، فإن الهدف النهائي للخطة هو تحويل غزة إلى منطقة نفوذ دولي تدار بتمويل خليجي وضمانات أمريكية، مع إبقاء السيطرة الأمنية الفعلية بيد الاحتلال.

هذا السيناريو – الذي يصفه الفلسطينيون بأنه “وصاية مغلفة” – أعاد إلى الأذهان تجربة العراق بعد عام 2003، حين تولت واشنطن إدارة البلاد عبر سلطة الائتلاف المؤقتة، وهو ما جعل الفصائل الفلسطينية ترى أن أي إدارة خارجية للقطاع “ستكون بابًا جديدًا للاحتلال بأدوات مختلفة”.

المقاومة تفرض معادلة السيادة
منذ بدء الحرب قبل عامين، سعت المقاومة الفلسطينية إلى تحويل الصمود العسكري والسياسي إلى إنجاز استراتيجي على الأرض، يتمثل في فرض معادلة: لا وصاية على غزة، ولا إدارة من دون موافقة القوى الوطنية.
وفي هذا السياق، جاء البيان المشترك ليؤكد أن تحديد شكل إدارة القطاع وأسس عمل مؤسساته “يُحسم داخليًا عبر توافق وطني”، داعيًا إلى إطلاق مسار سياسي موحد يجمع كل القوى والفصائل في إطار وطني جامع.
ويرى محللون أن هذا الموقف يقطع الطريق على المساعي الأمريكية والإسرائيلية لاستغلال لحظة وقف النار لتكريس واقع سياسي جديد، ويعيد التذكير بمعادلة “الدم والقرار” التي أرستها المقاومة خلال الحرب.

كما أشار البيان إلى استعداد الفصائل للتعاون في إعادة إعمار غزة “بما يعزز حياة كريمة لشعبنا ويحفظ حقوقه”، في إشارة واضحة إلى قبول أي دعم دولي دون المساس بالسيادة الفلسطينية أو ربط المساعدات بشروط سياسية.

ويؤكد هذا الموقف أن المقاومة تسعى لتحويل الدعم الإنساني إلى مكسب وطني لا إلى أداة ابتزاز سياسي. وهو ما عبّر عنه قيادي في الجهاد الإسلامي بقوله: “من يريد مساعدة غزة فليساعدها دون أن يمد يده على قرارها”.

ترامب والوصاية المرفوضة
محاولات الرئيس الأمريكي لفرض وصاية على غزة تأتي في إطار خطة أوسع تعرف إعلاميًا بـ”خطة ترامب للسلام”، التي تهدف إلى تثبيت وقف النار عبر ترتيبات أمنية تضمن أمن إسرائيل أولاً، ثم الانتقال إلى إعادة الإعمار بشروط أمريكية.
لكن الفصائل تعتبر أن هذه الخطة “تهدف لإفراغ النصر من مضمونه”، وأن أي إشراف أجنبي على غزة هو في جوهره وصاية استعمارية مرفوضة.
ويقول مراقبون إن فشل ترامب في تمرير هذه الخطة حتى الآن يعود إلى صلابة الموقف الفلسطيني ووحدة الفصائل، إلى جانب تحفظات أطراف عربية كتركيا وقطر ترفض أن تتحول إلى أدوات في مشروع الهيمنة الأمريكي الإسرائيلي الجديد.

كما أن مصر – رغم مشاركتها في المفاوضات – تحاول الحفاظ على توازن دقيق، بين التزاماتها كوسيط وبين رفضها أن تصبح غزة تحت إدارة خارجية قد تشعل توترات جديدة على حدودها.

غزة بعد الحرب.. سيادة لا وصاية
بعد عامين من الحصار والحرب والتجويع، خرجت الفصائل الفلسطينية بخطاب موحد يربط إعادة الإعمار بالسيادة الوطنية، ويضع خطوطاً حمراء أمام أي تدخل خارجي في شؤون القطاع.
فبينما تسعى واشنطن وتل أبيب لتحويل غزة إلى ساحة “تجريب سياسي”، ترد المقاومة بخطاب واضح: “لا إدارة أجنبية، لا قوات دولية، ولا وصاية تحت أي مسمى”.

وبذلك، تبدو غزة اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من التحديات السياسية، لكن رسالة الفصائل كانت صريحة: من صمد عامين في وجه الإبادة لا يقبل أن يُدار من الخارج.
فالدم الذي صان الأرض لن يسمح بأن تتحول السيادة إلى سلعة تفاوضية، ولا أن تُستبدل الوصاية العسكرية بوصاية سياسية أو إنسانية.

في مواجهة محاولات ترامب لفرض وصايته، اختارت غزة أن تكتب نهاية الحرب بقرارها لا بقرار الآخرين، مؤكدة أن من يملك حق المقاومة يملك حق الإدارة والسيادة.

اقرأ أيضًا : كوشنر وويتكوف.. مبعوثان أمريكيان يؤدّيان طقوس الاحتلال ويكرّسان انحياز واشنطن لتل أبيب