في جلسة مطولة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، أدلى الملياردير الأمريكي ليزلي ويكسنر بشهادة مثيرة للجدل أمام لجنة رقابية في الكونغرس، حول طبيعة علاقته برجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، المتهم بإدارة شبكة عالمية للاستغلال الجنسي وتبييض الأموال وابتزاز الشخصيات النافذة.

ويأتي هذا الاستجواب في سياق محاولات متجددة لإعادة فتح واحدة من أخطر القضايا التي هزّت النخبة السياسية والمالية عالميًا، وسط تساؤلات عن امتداداتها في دول عدة، من بينها الإمارات، التي تكررت الإشارة إليها في تقارير وتحقيقات غير رسمية حول تحركات إبستين وعلاقاته الإقليمية.

ويكسنر: ضحية احتيال أم شاهد متورط؟

خلال شهادته التي استمرت عدة ساعات في ولاية أوهايو، نفى ويكسنر بشكل قاطع علمه بأي من الجرائم التي ارتكبها إبستين، واصفًا نفسه بـ”الساذج“ الذي وقع ضحية “محتال عالمي”.

وقال في بيان مكتوب: “كنت أحمق في ثقتي بجيفري إبستين، لقد خدعني وسرق مني، لكنني لم أشارك في أي جريمة، وليس لدي ما أخفيه”.

وأضاف أنه قطع علاقته بإبستين منذ نحو 20 عامًا، بعد اكتشافه قيام الأخير بسرقة مبالغ ضخمة من أمواله، مؤكدًا أنه لم يتلق أي اتصال رسمي من جهات إنفاذ القانون بشأن التحقيقات.

كما أقرّ بزيارة جزيرة إبستين الخاصة لفترة وجيزة برفقة أسرته، لكنه شدد على أنه “لم يرَ أي نشاط غير قانوني أو مشبوه”، وهي رواية قوبلت بتشكيك واسع.

وثائق رسمية تكشف عمق العلاقة بين الطرفين

الوثائق التي استندت إليها اللجنة الرقابية كشفت أن سجلات وزارة العدل الأمريكية تظهر أن إبستين كان يصف نفسه بـ”الصديق المقرّب“ لويكسنر، وأنه حصل على صلاحيات مالية وإدارية استثنائية لإدارة شؤون ثروة الملياردير.

وبحسب هذه الوثائق، فقد لعب إبستين دورًا محوريًا في شبكات استثمار، وحسابات خارجية، وتحويلات مالية معقدة، استخدمت لاحقًا – وفق تقارير إعلامية – في تمويل أنشطة غير مشروعة، وفتح قنوات مع شخصيات نافذة في أوروبا والشرق الأوسط.

وتشير تسريبات سابقة إلى أن الإمارات كانت إحدى المحطات المهمة في تحركات إبستين، سواء عبر استثمارات عقارية، أو علاقات مع رجال أعمال وشخصيات أمنية، ما يعزز فرضية وجود غطاء سياسي ومالي إقليمي لشبكته.

تشكيك سياسي: النفوذ لا يمنح حصانة

عدد من المشرعين الديمقراطيين أعربوا عن شكوكهم في رواية ويكسنر، معتبرين أنها تفتقر إلى المنطق السياسي والقانوني.

وقال النائب روبرت جارسيا إن “طول مدة العلاقة، وحجم الصلاحيات، وطبيعة الشبكة المالية، تطرح أسئلة خطيرة لا يمكن تجاوزها”، مؤكدًا أن النفوذ المالي لا يعفي من المسؤولية الأخلاقية والسياسية.

كما طالب نواب آخرون بإعادة فتح ملفات التحويلات الخارجية، والعلاقات مع أطراف في الخليج، وعلى رأسها الإمارات، للكشف عن دورها المحتمل في تسهيل حركة الأموال أو توفير ملاذات آمنة.

إبستين: شبكة إجرامية عابرة للحدود

قضية إبستين لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية، بل منظومة إجرامية متكاملة، جمعت بين الاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي للقاصرات، والابتزاز السياسي، وتوظيف الأموال المشبوهة.

ووفق تحقيقات صحفية مستقلة، فقد استخدم إبستين شبكة من الشركات الوهمية، والحسابات الخارجية، والطائرات الخاصة، والعقارات الفاخرة، لبناء نظام مغلق يحميه من الملاحقة.

وتبرز الإمارات في هذا السياق كمحطة مهمة في تحركات رجال المال المرتبطين بإبستين، سواء عبر شركات مسجلة في المناطق الحرة، أو استثمارات غير شفافة، ما يثير علامات استفهام حول دور بعض الدوائر الاقتصادية في حماية هذه الشبكات.

مشهد طريف يخفي أزمة أعمق

من بين اللقطات التي لفتت الانتباه خلال الجلسة، همس محامي ويكسنر، مايكل ليفي، لموكله قائلاً: “سأقتلك إن أجبت على سؤال آخر بأكثر من خمس كلمات”، ما دفع ويكسنر للضحك.

لكن خلف هذه اللحظة الطريفة، تكمن أزمة أعمق: محاولة إدارة المشهد إعلاميًا، وضبط الرواية، ومنع الانزلاق إلى اعترافات قد تفتح أبوابًا مغلقة منذ سنوات.

خاتمة: هل تكفي شهادة ويكسنر لإغلاق الملف؟

رغم نفي ويكسنر وتأكيده أنه ضحية، فإن حجم الأدلة والوثائق والعلاقات المتشابكة يجعل من الصعب قبول روايته دون تحقيق مستقل شامل.

القضية لم تعد مرتبطة بإبستين وحده، بل بشبكة عالمية ضمت رجال أعمال، وسياسيين، ومؤسسات مالية، ودولًا وفّرت الغطاء والحماية، وفي مقدمتها أطراف في الخليج وعلى رأسها الإمارات.

ومع تصاعد الضغوط داخل الكونغرس، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول شهادة ويكسنر إلى نقطة انطلاق لكشف الحقيقة الكاملة، أم ستكون مجرد حلقة جديدة في مسلسل التعتيم على واحدة من أخطر الشبكات الإجرامية في العصر الحديث؟

اقرأ أيضًا : الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات على قيادات في “الدعم السريع”… وكشف وثائق القوني دقلو يثير تساؤلات