أصدرت محكمة تونسية، أحكامًا بالسجن أربع سنوات لكل من نائب رئيس حركة النهضة منذر الونيسي، ووزير العدل السابق والمحامي نور الدين البحيري، في ما يُعرف بملف وفاة النائب السابق الجيلاني الدبوسي. ويعود هذا الملف إلى سنة 2014، حين توفي الدبوسي بعد ساعات من خروجه من السجن، عقب احتجازه على خلفية قضايا فساد.

ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على الواقعة، أعادت السلطات القضائية فتح الملف وتفعيله في توقيت سياسي بالغ الحساسية، ما دفع مراقبين إلى اعتبار الأحكام امتدادًا لمسار تصفية الخصوم السياسيين تحت غطاء قانوني.

محاكمة بلا دفاع واحتجاج على الإجراءات

أكدت محامية الدفاع سعيدة العكرمي أن الجلسة انعقدت في ظروف وصفتها بـ”الاستثنائية وغير القانونية”، بعدما انسحبت هيئة الدفاع احتجاجًا على غياب شروط المحاكمة العادلة. وأوضحت أن المحكمة تجاهلت طلبات جوهرية، من بينها الاستماع إلى الشهود والنظر في الطلبات الشكلية، واكتفت بتلاوة حكم اعتبره الدفاع “جاهزًا مسبقًا”.

وأضافت العكرمي أن استنطاق المتهمين جرى بطريقة “برقية” وسريعة، لا تتناسب مع خطورة القضية، كما لم يتم تلاوة قرار دائرة الاتهام كما ينص القانون، ما يعزز الشكوك حول نزاهة المسار القضائي.

هذا الانسحاب الجماعي للمحامين اعتُبر رسالة احتجاج قوية على ما يرونه تفريغًا للمحاكمة من مضمونها القانوني، وتحويلها إلى إجراء شكلي يهدف إلى تمرير أحكام سياسية.

قضية الجيلاني الدبوسي… سياق معقد ومثير للجدل

تعود جذور القضية إلى وفاة الجيلاني الدبوسي في مايو 2014، بعد ساعات من الإفراج عنه من السجن، حيث كان موقوفًا منذ أكتوبر 2011 بتهم تتعلق بالفساد والاختلاس. وأثارت وفاته حينها جدلًا واسعًا حول ظروف احتجازه ووضعه الصحي، كما فُتحت تحقيقات لم تصل إلى نتائج حاسمة.

ويرى مراقبون أن إعادة إحياء الملف بعد عقد من الزمن، وفي ظل حملة واسعة على معارضي السلطة، يطرح تساؤلات حول دوافع تحريكه الآن، لا سيما مع ارتباطه بشخصيات سياسية بارزة.

نور الدين البحيري… تراكم الأحكام وتصفية الحساب

بالحكم الأخير، ترتفع حصيلة الأحكام الصادرة ضد نور الدين البحيري إلى نحو 39 عامًا في قضايا مختلفة، أبرزها قضية “التآمر” التي حُكم عليه فيها منفردًا بـ25 عامًا. ويُعد البحيري أحد أبرز الوجوه القانونية والسياسية في حركة النهضة، وشغل سابقًا منصب وزير العدل بعد الثورة.

ويعتبر أنصار البحيري أن هذه الأحكام المتتالية تمثل عملية “إقصاء ممنهجة” لشخصية مؤثرة، عبر تجميع ملفات قديمة وجديدة في إطار حملة قضائية واسعة تهدف إلى شلّ حضوره السياسي.

منذر الونيسي… من الطب إلى الاتهام السياسي

أما منذر الونيسي، فهو طبيب وأستاذ جامعي مختص في طب وزرع الكلى، ويعمل في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة تونس. وقد دخل المعترك السياسي من بوابة حركة النهضة، قبل أن يتعرض للإيقاف على خلفية تسريب مكالمة هاتفية نُسبت إليه، أنكر صحتها، ولم تتضمن سوى آراء سياسية عامة.

وكانت حركة النهضة قد عيّنته في أبريل الماضي رئيسًا مؤقتًا للحزب، عقب سجن راشد الغنوشي، ما جعله في مرمى الاستهداف المباشر. ويرى محللون أن توقيت ملاحقته القضائية يرتبط بدوره التنظيمي داخل الحركة أكثر مما يرتبط بطبيعة القضايا المرفوعة ضده.

قضاء تحت الضغط أم أداة سياسية؟

تأتي هذه الأحكام في سياق أوسع يتسم بتصاعد المواجهة بين السلطة التنفيذية والمعارضة، منذ إعلان الرئيس قيس سعيد الإجراءات الاستثنائية في يوليو 2021. ومنذ ذلك الحين، شهدت تونس موجة من الملاحقات القضائية شملت سياسيين وصحفيين ونشطاء.

وتتهم قوى معارضة السلطة باستخدام القضاء كأداة لتصفية الخصوم، عبر توظيف قوانين الطوارئ وملفات قديمة، وتوسيع دائرة الاتهام تحت عناوين فضفاضة مثل “التآمر” و”الإضرار بأمن الدولة”.

في المقابل، تؤكد السلطات أن القضاء يعمل باستقلالية، وأن الأحكام تصدر وفق القانون، غير أن تكرار الشكاوى حول غياب ضمانات المحاكمة العادلة يُضعف هذا الخطاب في نظر قطاع واسع من الرأي العام.

تداعيات سياسية ومستقبل الأزمة

من المتوقع أن تُفاقم هذه الأحكام حالة الاحتقان السياسي في البلاد، وتزيد من عزلة المعارضة، لا سيما حركة النهضة التي تعرضت لشلل تنظيمي واسع بعد اعتقال قياداتها. كما قد تؤثر على صورة تونس الخارجية، في ظل انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية بشأن أوضاع الحريات واستقلال القضاء.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا المسار قد يدفع البلاد نحو مزيد من الاستقطاب والانغلاق السياسي، بدل فتح المجال لحوار وطني شامل يعالج الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.

في المحصلة، لا تبدو أحكام سجن منذر الونيسي ونور الدين البحيري مجرد قرارات قضائية معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة صراع مفتوح بين سلطة تسعى لتكريس سيطرتها، ومعارضة تتآكل تحت وطأة الملاحقات، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي تعيشها تونس اليوم.

اقرأ أيضًا : محلل سوداني: الإمارات وراء تأجيج الحرب وزيارة حميدتي تعكس انهيار ميليشيا الدعم السريع