في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، جدّد محمد عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ووزير العدل السعودي السابق، دعمه العلني لمسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، عبر زيارته الأخيرة لجامعة “هاشيفا” الدينية في إسرائيل، التي تُعَد أحد المعاقل الدينية التي يتخرج منها جنود الاحتلال المتشبعون بالعقيدة الصهيونية الدينية.
وعلى الرغم من تغليف تصريحاته بمفردات براقة مثل “الإنسانية”، و”الحوار”، و”التفاهم”، فإن مضامينها تعكس توجهاً سياسياً خطيراً نحو تطبيع العلاقات مع الاحتلال، والانقلاب على القيم العربية والإسلامية.
https://x.com/Aldiwan2030/status/1938867088312934440
زيارة ترويجية لجامعة الجنود الصهاينة
زيارة العيسى لجامعة “هاشيفا” لم تكن حدثاً عادياً أو عابراً. فالجامعة التي استقبلته ليست مؤسسة أكاديمية مدنية، بل تُعَد واحدة من مؤسسات الاحتلال العقائدية التي تُخَرِّج مئات الجنود المتطرفين سنوياً، وتغرس فيهم عقيدة “أرض الميعاد” و”الحق الحصري لليهود في فلسطين التاريخية”.
وسط هذا السياق، جاءت تصريحات العيسى المفعمة بالدعوات إلى “التعاون بين الأديان” و”الحوار من أجل السلام”، لتبدو وكأنها منح غطاء ديني لمشروع استعماري توسعي لم يتوقف يوماً عن قتل الفلسطينيين وتهويد أرضهم.
إن استخدام العيسى لمفردات الحوار والتفاهم والإنسانية في مكانٍ كهذا يُعد، برأي مراقبين، نوعاً من التواطؤ الناعم، وتدليساً لغوياً يهدف إلى تجميل صورة الاحتلال أمام الرأي العام الإسلامي، وتدشين مرحلة جديدة من التطبيع تقوم على “الاحتواء الديني”.
“إمام الإسرائيليين”.. ألقاب الصحافة العبرية
لم تكن زيارة العيسى لجامعة “هاشيفا” هي الوحيدة التي تثير التساؤلات حول موقفه من الاحتلال، بل سبقتها سلسلة من الأنشطة التي أرسته في الإعلام الإسرائيلي كأحد أبرز رموز التطبيع الديني. صحيفة Times of Israel وصفته صراحةً بـ”إمام الإسرائيليين”، في إشارة إلى مدى تقارب مواقفه مع الرواية الصهيونية، ومشاركته المتكررة في فعاليات ومبادرات تطبيعية تحت غطاء “السلام الإبراهيمي”.
ومن بين أبرز محطاته، قيادته وفداً رفيع المستوى من علماء الدين المسلمين في زيارة إلى متحف “أوشفيتز” في بولندا عام 2020، وهي الزيارة التي حظيت بتغطية إسرائيلية واسعة واعتُبِرت “اختراقاً” في مسار العلاقات الدينية بين السعودية وإسرائيل. ولم تكن الرسائل الرمزية لهذه الزيارة خفية، بل صيغت بعناية لتقدم محمد العيسى كشخصية إسلامية تعترف بالسردية اليهودية للهولوكوست، وتتجاهل الجرائم المستمرة بحق الفلسطينيين.
من باريس إلى الرياض.. “الديبلوماسية الدينية” في خدمة التطبيع
في العام نفسه، شارك العيسى في “اتفاقية باريس للعائلة الإبراهيمية من أجل التضامن والسلام”، وهي مبادرة فرنسية بواجهة دينية، تُروج لما يُعرف بـ “الديبلوماسية الروحية” بين الأديان، لكنها في جوهرها تخدم مشروع اتفاقيات أبراهام الذي بدأ من أبوظبي والبحرين وامتد ليشمل المغرب والسودان.
العيسى، من خلال مشاركته، لم يكن ممثلاً لمؤسسة دينية مستقلة، بل لشخصية سعودية رسمية تحظى بدعم من أعلى المستويات. وهو ما جعل كثيرين يرون فيه “واجهة ناعمة” لتمرير مسار التطبيع في الداخل السعودي، خاصة أنه يتحدث بخطاب ديني يُغلف السياسة بلبوس الشريعة.
وزاد من الشكوك حول دوره، استضافته وفداً يهودياً أمريكياً يضم 13 من كبار الشخصيات المؤيدة لإسرائيل في مقر رابطة العالم الإسلامي بالرياض، في خطوة تهدف – حسب ما أُعلن – إلى “بحث التعاون بين المنظمات الإسلامية واليهودية”، لكنها في حقيقتها خطوة لتقنين العلاقات مع اللوبي اليهودي العالمي، تمهيداً لاعتراف متبادل على المستوى الشعبي والديني، لا الرسمي فقط.
تطبيع ناعم وانقلاب على هوية المجتمع
لا يمكن فصل تحركات العيسى عن التحولات التي يشهدها الخطاب الرسمي السعودي، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فالتطبيع لم يعد يُطرح بوصفه خياراً مرفوضاً أو حتى مثيراً للجدل، بل تحوّل إلى مسار يتم تمهيده تدريجياً عبر النخب الدينية والثقافية. والعيسى، بخطابه “المعتدل” وخلفيته الدينية، يلعب دوراً محورياً في هذا السياق.
في الوقت الذي تتعرض فيه غزة للإبادة، ويُحاصر الفلسطينيون في الضفة والقدس، يخرج العيسى ليقدّم صورةً “متسامحة” للاحتلال، ويحث على التفاهم معه، ما اعتبره كثيرون انقلاباً على هوية المجتمع السعودي، الذي ظل لسنوات يعتبر القضية الفلسطينية قضية الأمة المركزية، والاحتلال الإسرائيلي عدواً صريحاً.
ختام: التطبيع الديني.. أخطر أشكال الاختراق
إن خطورة الدور الذي يؤديه محمد العيسى لا تكمن فقط في تصريحاته، بل في المنصة التي يتحدث منها، وفي طبيعة الجمهور الذي يخاطبه. فالتطبيع السياسي غالباً ما يُقابل برفض شعبي، لكن التطبيع الديني أكثر خفاءً وتأثيراً، لأنه يُعاد تبريره بمفاهيم دينية تبدو “سامية”، بينما تُستخدم كأدوات لاختراق الوعي الجمعي، وتفكيك الرفض التاريخي للاحتلال.
محمد العيسى، إذن، لا يمثل فقط صوتاً شخصياً، بل تحول إلى رمز لمشروع تطبيعي متكامل يستهدف تغيير المزاج الديني والسياسي في المنطقة، وتقديم الاحتلال بوجه “إنساني” مزيف. إنه ترويج ناعم لهيمنة قاسية، وتجميل لمشروع لا يزال يسحق الإنسان الفلسطيني كل يوم.
اقرأ أيضًا : تل أبيب تروّج للتطبيع بصور زعماء عرب.. ما دلالة حملة “تحالف أبراهام” الجديدة؟