لم تكن خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية مجرد انتكاسة لدونالد ترامب، بل ضربة سياسية امتدت إلى شبكة الحلفاء الذين راهنوا على عودته إلى البيت الأبيض. وبينما اعتذر تاكر كارلسون عن دعمه للرئيس الذي قاد الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران، يجد محمد بن زايد نفسه أمام سؤال أكثر إحراجًا: ماذا تبقى من الرهان الإماراتي على نتنياهو بعدما أصبحت الحرب عبئًا على حلفائه الأميركيين؟
في الثالث من نوفمبر 2026، لم يخسر دونالد ترامب مجرد أغلبية برلمانية، بل تلقى ضربة سياسية طالت الأساس الذي بنى عليه نفوذه داخل واشنطن. فقد انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، واخترقوا معاقل جمهورية ظلت بعيدة عن متناولهم، من تكساس وكارولاينا الجنوبية إلى كانساس وأيوا. وتحولت الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة إلى عاملين بارزين في الغضب الشعبي الذي أطاح بالهيمنة الجمهورية على الكونغرس. | تغطية نتائج الانتخابات
لم يكن الناخبون يعاقبون الجمهوريين على الحرب وحدها؛ فقد لعب التضخم والرسوم الجمركية وتكاليف المعيشة والغضب من أداء الإدارة أدوارًا مؤثرة. لكن الحرب مع إيران أصبحت جزءًا من الفاتورة السياسية التي دفعتها إدارة ترامب، بعدما انتقلت آثارها من ساحات القتال في الشرق الأوسط إلى أسعار الوقود والسلع داخل الولايات المتحدة.
هذه النتائج تستحق قراءة مختلفة من أبوظبي. فمحمد بن زايد لم يكن مجرد مراقب لعودة ترامب إلى البيت الأبيض، ولا كانت علاقته بإسرائيل مجرد اتفاق تطبيع اقتصادي ودبلوماسي. لقد استثمرت القيادة الإماراتية في شبكة علاقات تربطها بمراكز النفوذ الأميركية والإسرائيلية، على أمل أن تمنحها موقعًا متقدمًا في ترتيبات المنطقة الجديدة، وأن تفتح أمامها أبواب التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي والاستثمارات والشراكات الأمنية.
لكن الانتخابات الأميركية طرحت سؤالًا لم يكن حاضرًا بالقوة نفسها عندما بدا ترامب ونتنياهو قادرين على فرض خياراتهما على المنطقة: ماذا يحدث عندما يصبح الحليف الذي يفترض أن يمنحك النفوذ سببًا في تآكله؟ والأكثر إزعاجًا لأبوظبي أن هذا السؤال لم يأتِ من خصوم ترامب وحدهم، بل سبقه اعتذار علني من أحد أبرز الأصوات الإعلامية التي ساهمت في إعادته إلى السلطة.
فقد خرج الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون ليعلن ندمه على دعمه ترامب، وربط موقفه بالحرب التي دخلتها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل ضد إيران، بعدما كان ترامب قد وعد أنصاره بتجنب الحروب الخارجية المكلفة. وهنا تتجاوز المفارقة شخص كارلسون: الإعلامي الذي ساهم في تسويق ترامب باعتباره رئيسًا يتجنب الحروب أصبح يتحدث عن مسؤوليته تجاه النتائج، بينما تواجه أبوظبي تبعات رهان سياسي وأمني أكبر وأطول عمرًا. | مقابلة كارلسون
قبل يومين من الانتخابات الأميركية، نشر كارلسون تحذيرًا استثنائيًا تحدث فيه عن ضغوط يمارسها بنيامين نتنياهو على ترامب لتنفيذ ضربة نووية ضد منشأة إيرانية محصنة تحت الأرض. وقال إن نتنياهو يواصل الاتصال بترامب لدفعه إلى اتخاذ القرار، وربط إصراره على التصعيد بأزمته السياسية الداخلية وما يواجهه من صعوبات في تشكيل حكومة تضمن استمراره في السلطة. | تصريحات كارلسون
لكن التفصيل الأكثر ارتباطًا بالإمارات جاء عندما تحدث كارلسون عن زيارة سرية أجراها نتنياهو إلى أبوظبي في 27 سبتمبر، سعى خلالها، بحسب روايته، إلى إقناع القيادة الإماراتية بمساندة ضربة جديدة ضد إيران، قبل أن يواجه بالرفض. هذه الرواية تكشف طبيعة المأزق الذي يمكن أن تواجهه أبوظبي في علاقتها بنتنياهو، حتى مع بقاء الزيارة ضمن ما نسبه كارلسون إلى مصادره.
فالإمارات التي رأت في التعاون مع إسرائيل فرصة لتعزيز موقعها داخل واشنطن، وتوسيع قدرتها على التأثير في ترتيبات الأمن الإقليمي، تجد نفسها أمام شريك قد تدفع حساباته العسكرية والسياسية المنطقة إلى تصعيد يهدد المصالح الاقتصادية الإماراتية نفسها. لقد كان الرهان الإماراتي قائمًا على تصور أن التقارب مع إسرائيل سيمنح أبوظبي مزايا استراتيجية لا تستطيع الحصول عليها بالاعتماد على علاقاتها التقليدية وحدها، لكن هذه المزايا لم تكن مجانية.
فكلما اقتربت أبوظبي من المشروع الأمني الإسرائيلي، ازدادت صعوبة الفصل بين مصالحها وبين النتائج التي تنتجها الخيارات العسكرية الإسرائيلية، خصوصًا عندما تتجاوز تلك الخيارات حدود المواجهات المحسوبة إلى حرب إقليمية واسعة. وهنا تكمن المشكلة التي كشفتها الحرب مع إيران: أن إسرائيل تستطيع الدفع نحو التصعيد انطلاقًا من تقديراتها الخاصة، بينما لا تملك الإمارات بالضرورة القدرة على ضبط قرارات تل أبيب أو واشنطن، رغم أنها تتحمل جزءًا من النتائج الاقتصادية والأمنية للحرب.
بالنسبة إلى نتنياهو، قد يكون استمرار المواجهة وسيلة لتعزيز موقعه السياسي أو تحقيق أهداف عسكرية لم تتحقق بعد. أما بالنسبة إلى أبوظبي، فإن استمرار اضطراب مضيق هرمز وتعرض الملاحة والطاقة والاستثمار للمخاطر يضرب عناصر أساسية في نموذجها الاقتصادي. ولذلك فإن رفض الإمارات دعم الضربة الجديدة، كما يرويه كارلسون، قد يعكس وصول حسابات المصالح إلى نقطة تصادم أكثر مما يعكس انقلابًا على الشراكة مع إسرائيل.
لم تكن خسارة الجمهوريين للكونغرس مجرد تغيير في التوازن الحزبي الأميركي. بالنسبة إلى الإمارات، يمكن أن تمثل تحولًا في البيئة السياسية التي سمحت بتوسيع علاقاتها مع إدارة ترامب. فأبوظبي التي أعلنت إطارًا استثماريًا يصل إلى 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة على مدى عشر سنوات، وسعت إلى الحصول على التكنولوجيا الأميركية المتقدمة، كانت تتعامل مع إدارة ترى في الاستثمارات الخليجية جزءًا مهمًا من مشروعها الاقتصادي والسياسي.
لكن انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين يعني أن الملفات التي كانت تُدار عبر التفاهمات مع الإدارة ستواجه مستوى مختلفًا من الرقابة البرلمانية. فمجلس النواب يستطيع فتح تحقيقات بشأن العلاقات المالية والاستثمارية واستدعاء مسؤولين وطلب وثائق، بينما يملك مجلس الشيوخ أدوات مؤثرة في مراجعة التعيينات وممارسة الرقابة على السياسات الأمنية والتكنولوجية.
وهنا قد تظهر أمام أبوظبي مشكلة تتجاوز الحرب الإيرانية. فالعلاقات المالية بين جهات إماراتية ومشروعات مرتبطة بعائلة ترامب، والاتفاقات الخاصة بالتكنولوجيا المتقدمة، والتعاون العسكري، وأدوار الإمارات في نزاعات إقليمية مثل السودان واليمن، كلها ملفات يمكن أن تصبح موضوعًا لنقاشات أكثر حدة داخل الكونغرس الجديد. والخطر ليس أن الديمقراطيين سيقطعون العلاقات مع الإمارات، بل أن تتراجع قدرتها على إدارة الملفات الحساسة عبر الوصول المباشر إلى الدائرة المحيطة بالرئيس.
ففي واشنطن الجديدة، لن يكون القرب من ترامب كافيًا وحده لحماية جميع المصالح الإماراتية، ولن تكون العلاقة مع نتنياهو بالضرورة مصدرًا إضافيًا للقوة السياسية. بل قد يحدث العكس: إذا أصبحت الحرب مع إيران رمزًا لفشل السياسة الخارجية الأميركية في نظر قطاعات من الناخبين، فإن العلاقة الوثيقة بالحكومة الإسرائيلية التي دفعت نحو المواجهة قد تتحول إلى عبء على الأطراف التي بنت نفوذها عبر هذه العلاقة.
السيناريو الأكثر أهمية لا يتمثل في قطع العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، ولا في إعلان أبوظبي تراجعها عن اتفاقات التطبيع. فالمصالح الأمنية والتكنولوجية والاقتصادية التي تأسست خلال السنوات الماضية لا تختفي بمجرد تراجع شعبية ترامب أو تعرض نتنياهو لأزمة سياسية. لكن ما قد يتغير هو الطريقة التي تنظر بها القيادة الإماراتية إلى شخص نتنياهو نفسه.
إذا كانت أبوظبي قد استفادت من قربها منه عندما كان قادرًا على توسيع علاقاتها مع واشنطن، فإن استمرار هذا القرب قد يصبح أقل فائدة عندما يتحول رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى طرف مرتبط بحرب مكلفة سياسيًا واقتصاديًا. ويمكن تصور مراجعة إماراتية تقوم على الفصل بين إسرائيل بوصفها شريكًا استراتيجيًا، ونتنياهو بوصفه زعيمًا سياسيًا قد تكون حساباته الشخصية عبئًا على استمرار هذه الشراكة.
وهذا ليس تحولًا بالضرورة نحو سياسة إقليمية أكثر استقلالًا، بل قد يكون محاولة لحماية الاستراتيجية القديمة من نتائجها. فأبوظبي تستطيع تخفيض مستوى الارتباط العلني بنتنياهو، وإبراز خطاب يدعو إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية، وتوسيع اتصالاتها مع طهران، دون أن تتخلى عن التعاون الأمني والتكنولوجي مع إسرائيل.
كما تستطيع تقديم نفسها أمام الديمقراطيين الأميركيين بوصفها شريكًا قادرًا على احتواء التصعيد، بدلًا من الظهور طرفًا منخرطًا في التفاهمات التي قادت إلى الحرب. لكن هذا التحول، إذا حدث، سيحمل تناقضًا يصعب تجاهله: الإمارات التي بنت جزءًا من نفوذها على التعاون مع إسرائيل في مواجهة إيران ستجد نفسها مضطرة إلى تقديم التقارب مع طهران باعتباره ضرورة لحماية أمنها واستقرارها.
إن تغيير الحليف السياسي أو تخفيف الارتباط العلني به لا يعالج بالضرورة الخلل الذي أنتج الأزمة. فالمشكلة التي تكشفها الحرب لا تتعلق بنتنياهو وحده، وإنما بالتصور الذي تعاملت من خلاله القيادة الإماراتية مع أمن المنطقة باعتباره مجالًا لإعادة تشكيل موازين القوى عبر التحالفات العسكرية والشراكات الأمنية، حتى عندما تتعارض نتائجها مع مصالح الاستقرار الاقتصادي الذي تعتمد عليه الإمارات.
تبدو المقارنة بين تاكر كارلسون ومحمد بن زايد لافتة رغم اختلاف موقع كل منهما. فكارلسون كان من الأصوات الإعلامية التي دعمت ترامب وساهمت في إقناع الجمهور المحافظ بأنه سيبتعد عن الحروب الخارجية، ثم خرج ليقول إنه نادم على الدور الذي لعبه. أما القيادة الإماراتية، التي جعلت من التعاون مع إسرائيل والاقتراب من إدارة ترامب جزءًا أساسيًا من حساباتها الاستراتيجية، فتواجه اليوم نتائج تطرح أسئلة عن مدى دقة تلك الحسابات.
هل كان الرهان على قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على حسم المواجهة مع إيران واقعيًا؟ وهل منح التقارب مع نتنياهو الإمارات نفوذًا يكفي لتعويض تكاليف الحرب؟ وهل أصبحت أبوظبي أكثر أمنًا نتيجة هذه الشراكة، أم أنها وجدت نفسها معرضة لمخاطر إضافية لا تستطيع التحكم فيها؟ هذه أسئلة تتعلق بجوهر السياسة الإماراتية، لا بمجرد مستقبل العلاقات مع رئيس حكومة إسرائيلي.
لقد راهنت أبوظبي على أن التعاون مع إسرائيل والاقتراب من البيت الأبيض سيساعدانها على ترسيخ موقعها بوصفها إحدى القوى المؤثرة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط. لكن الحرب مع إيران كشفت أن النفوذ الذي يُكتسب عبر التحالفات لا يعني بالضرورة القدرة على منع الحلفاء من اتخاذ قرارات تهدد مصالح شركائهم. والانتخابات الأميركية أضافت إلى هذه المشكلة بُعدًا آخر: أن الحليف الذي كان يُفترض أن يضمن استمرار النفوذ داخل واشنطن قد يفقد جزءًا كبيرًا من قوته السياسية بسبب الحرب نفسها.
اعتذر تاكر كارلسون عن دعمه لترامب، وعاقب الناخبون الأميركيون الجمهوريين في انتخابات امتزج فيها الغضب من الحرب مع الاستياء الاقتصادي والسياسي. وبين الحدثين تقف أبوظبي أمام اختبار لم يكن حاضرًا في حساباتها عندما بدا التحالف مع ترامب ونتنياهو طريقًا مضمونًا لتعزيز النفوذ.
فإذا كان نتنياهو قد أصبح عبئًا على ترامب، وإذا كان ترامب نفسه قد أصبح عبئًا انتخابيًا على حزبه، فهل يواصل محمد بن زايد التمسك بالرهان الذي جمعه بهما، أم يحاول التخلص من نتنياهو سياسيًا قبل أن تتحول كلفة العلاقة معه إلى عبء أكبر على المصالح الإماراتية؟ ربما يستطيع الابتعاد عن نتنياهو والتكيف مع الكونغرس الديمقراطي، لكنه لن يستطيع بمجرد تغيير المسافة بينه وبين حلفائه محو النتائج التي أنتجتها الخيارات التي راهن عليها.