خلال الأيام الماضية، تصدّر اسم محمد صلاح المشهد في بريطانيا ومصر بسبب أزمة علنية مع نادي ليفربول، وتصريحات كشفت عن توتر في علاقته بالإدارة والجهاز الفني، وفتحت الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبله الكروي، واحتمال رحيله بعد سنوات من الاستقرار والنجاح. جماهير النادي باتت منقسمة، وسائل الإعلام تناقش “نهاية مرحلة”، وصلاح نفسه ظهر في موقع الدفاع، لا كنجم لا يُمس، بل كلاعب يخضع الآن للحسابات الباردة.
لكن ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن مسارٍ أوسع من كرة القدم. فمحمد صلاح، الذي كان يومًا رمزًا عربيًا ومسلمًا جامعًا، اختار خلال حرب غزة الصمت، واكتفى بمواقف إنسانية عامة، تجنّب فيها تسمية الجريمة ومرتكبيها، في وقت كانت فيه الإبادة واضحة، والاصطفاف الأخلاقي مطلوبًا. هذا الخيار أثار غضبًا واسعًا في مصر وبين العرب والمسلمين، وطرح سؤالًا جوهريًا: هل ضحّى صلاح بالتضامن مع غزة وعروبته حفاظًا على مسيرته الكروية ومصالحه في الغرب؟
كيف راهن محمد صلاح على الصمت وعدم إغضاب الغرب، فخسر أخلاقيًا في عيون كثيرين من أبناء قضيته، ولم يربح في المقابل استقرارًا أو حماية حين دخلت مسيرته مرحلة الارتباك والتخبّط.
تراكم الغضب تجاه محمد صلاح في مصر وبين العرب والمسلمين لم يكن عابرًا ولا هامشيًا، بل تحوّل إلى حالة شعورية عامة، وصلت لدى بعضهم إلى حدّ الشماتة، أو كما أطلقت التقارير الغربية مصطلح schadenfreude. هذا الغضب لم ينبع من سوء فهم أو مبالغة، بل من إدراك واسع بأن صلاح، رغم قدرته ومكانته وتأثيره، اختار الصمت في لحظة كان فيها الصمت موقفًا بحد ذاته. تجنّب تسمية الجريمة، وتجنّب تسمية الفاعل، واكتفى بلغة إنسانية عامة عن “العنف” و”الإنسانية”، في وقت كانت فيه إبادة غزة واضحة، وكان الوضوح الأخلاقي هو الحد الأدنى المنتظر ممن يملك هذا الحجم من الصوت والرمزية.
هذا السقوط الأخلاقي في نظر قطاع واسع من العرب والمسلمين لا يمكن فصله عن التحوّل الذي طرأ على صورة صلاح العامة خلال السنوات الأخيرة. لم يعد مجرد لاعب كرة قدم، بل أصبح قبل أي شيء آخر علامة تجارية عالمية، جزءًا من منظومة مصالح اقتصادية عابرة للحدود. صلاح يمتلك شركات مسجّلة في بريطانيا، ويظهر اسمه كمدير في عدة كيانات تجارية، بينها أنشطة عقارية. إلى جانب ذلك، يدير حقوق صورته عبر شركة مسجّلة في جزر الكايمان، أحد أشهر الملاذات الضريبية عالميًا، ويمتلك ممتلكات واستثمارات في الإمارات، ويتمتع بشبكة علاقات اقتصادية واسعة في الخليج.
بالإضافة إلى ذلك تحيط بمحمد صلاح شبكة واسعة من العقود الإعلانية والتجارية لا يمكن فصلها عن صمته السياسي. فهو مرتبط بشراكات مع شركات عالمية كبرى مثل Adidas وPepsi وVodafone وDHL وUber وOppo، إلى جانب مؤسسات مالية وعقارية. عدد من هذه الشركات واقع ضمن قوائم المقاطعة الشعبية الداعمة لفلسطين، أو مستهدف بحملات ضغط بسبب علاقاته بإسرائيل، أو استثماراته فيها، أو دعمه المباشر لمؤسسات إسرائيلية. في هذا السياق، يصبح أي موقف صريح من غزة مكلفًا تجاريًا على مستوى نجم عالمي بُنيت صورته بعناية داخل سوق لا يتسامح مع الخروج عن الخط.
هنا لا يبدو الصمت خيارًا شخصيًا بريئًا، بل جزءًا من منظومة مصالح مترابطة تجعل من “الحياد السياسي” شرطًا شبه دائم للاستمرار. فحين تتقاطع الشهرة العالمية مع الرعايات العابرة للحدود، يتحول الابتعاد عن السياسة إلى قرار محسوب، لا إلى قناعة أخلاقية. ويعزّز هذا الفهم ما قيل صراحة في ليفربول عن أن تهدئة المواقف أو تجنب السياسة قد لا يكون مجرد ميل شخصي، بل استجابة واعية لضغوط السوق وحسابات الصورة العامة. ليست المسألة افتراضات أو مبالغات، بل قراءة واضحة لمسار يربط بين الصمت عن غزة، وتضخم المصالح التجارية، والحرص على عدم الاصطدام بشركات واقتصادات تقع في قلب الجدل العالمي حول المقاطعة والتطبيع.
لكن المفارقة القاسية أن هذا الخيار لم يؤدِّ إلى ما راهن عليه صلاح. فمحاولة البقاء “آمنًا” وعدم إغضاب الغرب لم تمنحه استقرارًا ولا حماية. على العكس، علاقته بنادي ليفربول بدأت تتفكك علنًا، تصريحاته الأخيرة فتحت صدامًا مع الإدارة والمدرب، ومستقبله الكروي بات محل شك ونقاش مفتوح. الجماهير التي طالما هتفَت له باعتباره “الملك المصري” بدأت تنظر إليه كنجمٍ أناني، أسيرٍ لمنطق الرأسمالية، يطالب بالمزيد في وقت يعاني فيه المشجعون من أزمات معيشية واقتصادية خانقة.
في مصر، لم يعد محمد صلاح ذلك الشاب القادم من دلتا النيل، رمز الصعود من الهامش إلى القمة. وفي العالم العربي والإسلامي، تآكلت صورته كرمز أخلاقي جامع، خصوصًا بعد غزة. أما في الغرب، فلم يتحول صمته إلى ضمانة وفاء أو حصانة دائمة، بل وجد نفسه فجأة في موقع هش: مستقبل غامض، علاقة متوترة مع النادي، ونقاش علني حول جدوى استمراره.
الأهم هنا أن المسألة ليست “عقابًا غربيًا” على موقف سياسي، بل العكس تمامًا. الغضب الحقيقي جاء من العرب والمسلمين، بينما كان الصمت محاولة واضحة لتفادي إغضاب الغرب أصلًا. لكن ما انكشف بوضوح هو أن منطق الرأسمالية الرياضية لا يكافئ الحياد الأخلاقي، ولا يمنح أصحابه أمانًا طويل الأمد. صلاح حاول أن يكون بلا موقف، فوجد نفسه بلا حماية: خسر المعنى، ولم يحتفظ بالأمان.
هكذا تتضح المفارقة التي لا تحتاج إلى تزوير أو قفز في الاستنتاجات: محمد صلاح خسر كثيرًا من صورته العربية والإسلامية بسبب صمته عن غزة، ولم يربح في المقابل استقرارًا أو ولاءً من منظومة لا ترى فيه أكثر من قيمة قابلة للاستهلاك، ثم المراجعة، ثم الاستبدال. ليست الحكاية حكاية لاعبٍ ظُلم، بل قصة رهانٍ خاسر اختار فيه السلامة، فانتهى مكشوفًا من كل الجهات.