السبت 26 أبريل 2025، أعلن محمود عباس اختياره حسين الشيخ نائبًا له في رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسة دولة فلسطين، مكشفًا بقراره حجم التحول الخطير الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، حيث تنتقل القيادة رسميًا إلى رجل ارتبط اسمه بالعمالة للاحتلال الإسرائيلي، وتورط في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في تاريخ الشعب الفلسطيني: جريمة اغتيال الزعيم ياسر عرفات. لم يكن اختيار حسين الشيخ مصادفة أو خطوة إدارية عابرة، بل كان تتويجًا لمخطط بدأ منذ سنوات، حين قرر الاحتلال تصفية رموز القضية الفلسطينية واستبدالهم برجال أمن عملاء يضمنون استمرار السيطرة على الأرض والقرار.

حسين الشيخ ليس شخصية رمادية في المشهد الفلسطيني، بل محور أساسي في دائرة الشبهات التي أحاطت باغتيال ياسر عرفات. الوثائق الرسمية المسربة من لجنة التحقيق التي قادها اللواء توفيق الطيراوي تكشف دوره بشكل واضح. حسين الشيخ لعب دور الوسيط بين طبيب الأسنان سعيد درّس وعرفات، وأصر على ترتيب اللقاء الذي أدى إلى خلع ضرس الرئيس أواخر عام 2004، وهو الحدث الذي رافقته لاحقًا الشبهات بعد اكتشاف تعرض عرفات للتسميم بمادة البولونيوم المشعة. التحقيقات أكدت أن الطبيب سعيد درّس مات مقتولًا بطريقة مدبرة بعد فترة قصيرة من وفاة عرفات، وأن حسين الشيخ تدخل شخصيًا لإخفاء الملف الطبي للطبيب من المستشفى الفرنسي الذي كان شاهداً على تفاصيل العلاج.

محاضر لجنة التحقيق أوضحت أن حسين الشيخ لم يكن مجرد طرف عارض في القصة، بل كان من العناصر الفاعلة في طمس الأدلة ومحو آثار الجريمة. اللواء الطيراوي طالب صراحة بالتحقيق مع حسين الشيخ باعتباره متهماً رئيسياً، مدعوماً بسجلات الاتصالات التي وثقت مكالماته المشبوهة مع الطبيب درّس قبيل مقتله. اللجنة توصلت إلى أن سعيد درّس قُتل للتغطية على تفاصيل خلع ضرس عرفات وعلاقته المباشرة بعملية التسميم، وأن حسين الشيخ مارس دورًا في توجيه التحقيق، والتحايل على الأدلة، وإخفاء الحقائق عن الرأي العام الفلسطيني.

اجتماعات اللجنة شهدت مطالبات واضحة باعتقال حسين الشيخ وإخضاعه لتحقيق جنائي كامل، إلى جانب عدد من الشخصيات الأخرى المرتبطة بالدوائر الضيقة المحيطة بعرفات خلال حصاره الأخير في المقاطعة. الضباط الذين شاركوا في لجنة التحقيق أكدوا أن حسين الشيخ كان جزءًا من شبكة مكونة من بعض الشخصيات الأمنية والسياسية التي سهلت عملية تصفية عرفات جسديًا وسياسيًا، ووضعت مصلحة الاحتلال فوق مصلحة المشروع الوطني الفلسطيني. هذه الحقائق لم تخرج من روايات خصوم سياسيين أو حملات تشويه، بل جاءت موثقة من أعلى لجان التحقيق الفلسطينية الرسمية.

خارج نطاق الوثائق الفلسطينية، قدم الاحتلال الإسرائيلي نفسه كشاهد إضافي على هوية حسين الشيخ. مسؤول أمني إسرائيلي بارز صرح قبل عامين بأن حسين الشيخ هو “رجل إسرائيل في رام الله” وأنه المرشح المفضل لخلافة محمود عباس، في إشارة لا لبس فيها إلى أن مشروع تعيينه هو جزء من مخطط إسرائيلي أوسع لضمان استمرار السيطرة على القرار الفلسطيني تحت عباءة رموز تعمل لمصلحة الاحتلال.

دائرة ارتباطات حسين الشيخ لا تقتصر على العمل الأمني، بل تمتد إلى شبكات فساد مالي وتجاري تخدم مشروع الاحتلال الاقتصادي في الضفة الغربية. أبرز هذه الشبكات شراكته مع غاندي جابر، تاجر المخدرات المطلوب للعدالة الأمريكية، والذي يشغل كذلك منصب مالك مجمع “آيكون مول” التاري الذي افتُتح مؤخرًا في رام الله وسط الرقص والاحتفالات، في توقيت يتزامن مع استمرار الإبادة الجماعية بحق أهالي غزة. العلاقة بين حسين الشيخ وغاندي جابر تمثل نموذجًا عن تزاوج الفساد السياسي بالفساد المالي، حيث تتداخل المصالح التجارية مع الوظائف الأمنية لخدمة بقاء سلطة تابعة، مأجورة سياسيًا ومشبوهة ماليًا.

فتح ملفات حسين الشيخ يكشف أن ارتباطه بشبكات المال الفاسد لم يكن وليد المصادفة، بل جزء من استراتيجية مبرمجة لخلق منظومة مصالح تجارية متشابكة بين رجال سلطة فقدوا أي انتماء وطني وبين أذرع الاحتلال التي تدير الاقتصاد في الضفة وتستفيد من استمرار الانقسام السياسي والاجتماعي. مشروع “آيكون مول” لم يكن استثمارًا عاديًا، بل كان رمزًا فجًا لتحالف الرقص على أشلاء الضحايا، حيث تقام الحفلات وتُرفع الموسيقى فوق أنقاض شعب يموت تحت القصف. غاندي جابر، شريك حسين الشيخ، يحمل سجلًا إجراميًا في تجارة المخدرات وغسل الأموال، وشراكته مع حسين الشيخ وضعت يد الاحتلال على مفاصل إضافية من الحياة الاقتصادية الفلسطينية.

تركيبة حسين الشيخ تجمع بين الولاء الأمني للاحتلال والانخراط في مشاريع المال الفاسد، بما يحول قيادته المرتقبة للسلطة الفلسطينية إلى كارثة وطنية، لا مجرد استمرار للنهج القائم، بل قفزة مفتوحة في حضن الاحتلال. حسين الشيخ يمثل الجيل الجديد الذي عمل الاحتلال على صناعته: رموز بلا تاريخ نضالي حقيقي، بلا شرعية شعبية، مستعدون لتصفية آخر ما تبقى من القضية الفلسطينية مقابل مناصب وامتيازات ملوثة.

قرار محمود عباس بتعيين حسين الشيخ نائبًا له هو إعلان رسمي بأن معركة التحرر الوطني الفلسطيني أُغلقت صفحاتها في مكاتب المقاطعة، لصالح مشروع التنسيق الأمني الأبدي، والفساد المالي المتجذر، والتحالف المفضوح مع شبكات الاحتلال العلنية. المرحلة القادمة ليست انتقالًا سياسيًا طبيعيًا، بل امتدادًا لمخطط بدأ بتصفية عرفات بالسم واستمر بتصفية كل من تبقى من صوت فلسطيني حر، وصولًا إلى تتويج رجل الاحتلال أميرًا على أنقاض القضية.