في تطور غير مسبوق، تقدّمت الحكومة السودانية هذا الشهر بدعوى رسمية ضد دولة الإمارات أمام القضاء الدولي، متهمةً إياها بـ«التواطؤ في الإبادة الجماعية» خلال الحرب الأهلية الدامية في السودان. هذه الخطوة، التي كسرت جدار الصمت السياسي والدبلوماسي، لم تأتِ من فراغ، بل سلّطت الضوء على شبكة إقليمية معقّدة نسجتها أبوظبي على مدار أكثر من عقد، تقوم على دعم فاعلين من غير الدول، واحتضان مشاريع انفصالية، وتقويض السلطات المركزية، تحت لافتة «مكافحة الإرهاب» ومحاربة الإسلام السياسي.

القضية السودانية كشفت، بشكل خاص، عمق العلاقة بين أبوظبي وميليشيا قوات الدعم السريع، التي تخوض حربًا مفتوحة ضد الجيش السوداني منذ عام 2023. غير أن الدعم الإماراتي للدعم السريع ليس استثناءً، بل حلقة ضمن ما يمكن وصفه بـ«محور الانفصاليين»؛ شبكة من الميليشيات والكيانات المسلحة غير الحكومية، الممتدة من ليبيا واليمن إلى الصومال والسودان، ترتبط جميعها بمركز ثقل واحد: أبوظبي.

انقلابات بأدوات غير تقليدية

منذ اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، تبنّت الإمارات العربية المتحدة استراتيجية هجومية قائمة على منع أي تحوّل ديمقراطي قد يهدد نماذج الحكم السلطوي في المنطقة. الخطر الأكبر، من وجهة نظرها، كان صعود جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. ولأن القدرات البشرية والعسكرية لدولة صغيرة السكان محدودة، لجأت أبوظبي إلى تفويض نفوذها لفاعلين محلّيين: أمراء حرب، ميليشيات، زعماء انفصاليين، وشبكات تهريب وتمويل.

بهذا المعنى، بنت الإمارات نموذجًا شبيهًا – وإن بنسخة مضادة أيديولوجيًا – بما فعلته إيران عبر «محور المقاومة». فبدل الخطاب الثوري، رفعت أبوظبي شعار «الاستقرار»، وبدل دعم دول مركزية، غذّت كيانات موازية تُضعف الدول من الداخل.

«بني فاطمة» ومركزة القرار

داخليًا، تركزت السلطة في أبوظبي بعد أزمة دبي المالية عام 2008 بيد ثلاثة أشقاء من آل نهيان: محمد، ومنصور، وطحنون بن زايد. هذا الثلاثي، المعروف إعلاميًا بـ«بني فاطمة»، أعاد تشكيل الدولة العميقة عبر شبكات مالية وتجارية وأمنية شبه خاصة، تربط بين صناديق سيادية، وشركات لوجستية، ومؤسسات أمنية، وشركات علاقات عامة. هذه البنية سمحت بتحويل «البترو-دولار» إلى نفوذ جيوسياسي عابر للحدود، مع قدر عالٍ من الإنكار الرسمي.

ليبيا: المختبر الأول

كانت ليبيا نقطة الانطلاق. ففي عام 2014، تبنّت أبوظبي مشروع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وحوّلت محاولته الانقلابية الفاشلة إلى حملة عسكرية واسعة تحت مسمى «عملية الكرامة». وبدعم إماراتي مالي وعسكري وإعلامي، تشكّل ما يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي»، وهو في الحقيقة تحالف ميليشيات مناطقية نجح في السيطرة على شرق ليبيا، وفشل مرارًا في إسقاط الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس. مع ذلك، أصبح الشرق الليبي قاعدة ارتكاز إقليمية، وممرًا للمرتزقة والسلاح، ومنصة لتوسّع النفوذ الروسي لاحقًا.

اليمن: من التحالف إلى التقسيم

في اليمن، دخلت الإمارات الحرب ضمن التحالف الذي تقوده السعودية عام 2015، لكنها سرعان ما انفصلت بأجندتها الخاصة. بعد الخسائر البشرية التي تكبّدتها، أنشأت قوات محلية موالية لها مثل «قوات الحزام الأمني»، ورعت المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي رفع شعار انفصال الجنوب. ومع الوقت، تحوّلت عدن وسواحل اليمن الجنوبية إلى مناطق نفوذ إماراتي مباشر، سياسيًا واقتصاديًا، بما في ذلك الموانئ وحقول الطاقة.

السودان: الذهب مقابل السلاح

في السودان، لعبت أبوظبي دور الحاضنة المالية لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو. فمن خلال تجارة الذهب، التي تمرّ نسبة كبيرة منها عبر دبي، راكمت الميليشيا ثروة مكّنتها من الاستقلال عن الدولة، وشراء السلاح، واستئجار المرتزقة، وتمويل آلة حرب ارتكبت فظائع موثقة. ومع اندلاع الحرب، تحوّلت ليبيا وتشاد وأوغندا إلى ممرات خلفية لإمداد الدعم السريع، في شبكة لوجستية يصعب تصورها دون مظلة إماراتية.

الصومال: تفكيك الدولة من الأطراف

أما في الصومال، فقد اختارت أبوظبي سياسة تجاوز الحكومة الفيدرالية في مقديشو، والتعامل مباشرة مع الأقاليم الانفصالية أو شبه المستقلة مثل بونتلاند و«صوماليلاند». أنشأت قواعد عسكرية، ودعمت قوات محلية، وسيطرت على موانئ استراتيجية، ما عمّق الانقسامات الداخلية، وحوّل القرن الأفريقي إلى ساحة نفوذ مفتوحة.

وسيط لا غنى عنه… بثمن باهظ

بهذه الشبكة المتشعبة، نصّبت الإمارات نفسها وسيطًا لا يمكن تجاوزه بالنسبة لقوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين. غير أن هذا «النجاح» جاء على حساب سيادة دول، واستقرار مجتمعات، ودماء آلاف المدنيين. فالدولة التي ترفع شعار «محاربة الفوضى» ساهمت، عمليًا، في هندستها وإدامتها.

الدعوى السودانية اليوم ليست سوى بداية مسار قد يكشف، قانونيًا وسياسيًا، كلفة المشروع الإماراتي في المنطقة. مشروعٌ بنى نفوذه على أنقاض الدول، وترك وراءه خريطة مثقلة بالانقسامات والحروب المفتوحة.

اقرأ أيضا : توثيق إجرام الإمارات بالأقمار الاصطناعية: ميليشيا الدعم السريع توسّع مخيمات النزوح في السودان