عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي داهموا يوم الجمعة منزل ومكتب مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون. العملية جرت بزعم البحث عن وثائق سرية، لكنها أعادت إلى الواجهة اتهامات خطيرة بتسييس أجهزة العدالة وتحويلها إلى أداة انتقامية ضد شخصيات محددة سلفاً.
جون بولتون أصبح خامس شخصية يجري التحقيق معها خلال الأشهر السبعة الماضية من بين الأسماء الواردة في كتاب أصدره مدير الـFBI الحالي كاش باتيل بعنوان Government Gangsters. الملحق الأخير في الكتاب تضمن قائمة ضمت نحو 60 اسماً وصفهم باتيل بأنهم “أساؤوا استخدام مؤسسات الدولة”. بولتون انضم بذلك إلى قائمة تضم جيمس كومي المدير الأسبق لـFBI، جون برينان المدير الأسبق لـCIA، المسؤول الأمني السابق مايلز تايلور، والعقيد ألكسندر فيندمان الذي أدلى بشهادته ضد ترامب خلال محاكمته الأولى.
وزارة العدل كانت قد أغلقت عام 2021 التحقيقات المدنية والجنائية ضد بولتون والمتعلقة بكتابه عن فترة عمله في البيت الأبيض. إعادة فتح القضية بعد أربع سنوات تعني وجود قرار سياسي بإحياء ملف طوي منذ زمن. الأمر نفسه ينطبق على بقية المستهدفين، ما يعزز الانطباع بأن القائمة الواردة في كتاب باتيل تحولت عملياً إلى خريطة طريق للتحقيقات الفيدرالية.
التعامل مع هذه الشخصيات جرى بطريقة استثنائية. كومي وبرينان خضعا لتحقيقات مرتبطة بدورهما في ملف التدخل الروسي في الانتخابات. مايلز تايلور تعرض لقرارات رئاسية بسحب تصريحه الأمني وملاحقة كتاباته المعادية لترامب. حتى عائلة فيندمان لم تُستثن، إذ واجه شقيق ألكسندر طلباً من المدعي الفيدرالي في واشنطن بتقديم سجلات مالية متعلقة بالمساعدات لأوكرانيا.
المتحدث باسم الـFBI اكتفى ببيان مقتضب قال فيه إن المكتب “ينفذ نشاطاً مرخصاً قضائياً” وإنه “لا تهديد على السلامة العامة”، من دون الخوض في تفاصيل. غموض الرد الرسمي زاد من حدة الجدل في واشنطن، خاصة مع تزامن المداهمة مع تزايد الانتقادات الموجهة للإدارة بأنها تكرر ممارسات تسييس العدالة نفسها التي ادعت أنها جاءت لإصلاحها.
رد فعل ترامب على مداهمة بولتون جاء متوقعاً. الرئيس وصف مستشاره السابق بأنه “شخص واطٍ” و”قد يكون غير وطني”، مؤكداً أنه “سنرى” ما ستكشفه التحقيقات. هذه اللغة عززت الانطباع بأن العملية لا تنفصل عن سياق الصراع الشخصي والسياسي، وأن الخصومة مع ترامب باتت كافية لجر أصحابها إلى دوامة التحقيقات.
المشهد الحالي يعكس انتقالاً من الفوضى التي ميزت محاولات ترامب الأولى لتسليح أجهزة الدولة إلى نهج أكثر تنظيماً. كتاب باتيل تحول إلى قائمة أهداف جاهزة، فيما وفر فريق بوندي الغطاء البيروقراطي لتنفيذ الخطوات. النتيجة أن المعارضة السياسية تُعامل كأنها دليل على جريمة، وأن أدوات الدولة الفيدرالية باتت تستخدم لمعاقبة منتقدي الرئيس، حتى لو كانوا من داخل إدارته السابقة.
المداهمة ضد بولتون لم تكن مجرد إجراء قانوني روتيني، بل مؤشر على مرحلة جديدة في واشنطن تُختزل في معادلة خطيرة: الخصم السياسي قد يتحول في أي لحظة إلى متهم جنائي.