في خطوة لافتة على الصعيد الأوروبي، صادق البرلمان الإسباني على النظر في مقترح حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل، وسط تصاعد الغضب الشعبي والرسمي تجاه جرائم الحرب المستمرة في قطاع غزة، وتنامي الأصوات المطالبة بمحاسبة الاحتلال وقطع كل أشكال الدعم عنه. 

هذه الخطوة، التي قادتها أحزاب يسارية وقومية، تأتي في سياق أوسع لمراجعة العلاقات العسكرية والاقتصادية مع إسرائيل، وتكشف عن شرخ متزايد بين مواقف الشعوب الأوروبية وبعض حكوماتها من جهة، وبين الدعم الغربي الرسمي لإسرائيل من جهة أخرى.

وجاء التصويت داخل البرلمان بعد تحركات سياسية وشعبية متسارعة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، والتي أسفرت حتى اليوم عن أكثر من 175 ألف شهيد وجريح، في غالبيتهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى آلاف المفقودين ودمار واسع طال البنية التحتية المدنية.

بينما تدافع إسرائيل عن جرائمها تحت ذريعة “حق الدفاع عن النفس”، تزداد عزلتها يوماً بعد يوم في الساحة الدولية، بفعل صمود أهل غزة، وانكشاف الرواية الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي، خاصة في أوروبا.

مواقف إسبانية متقدمة ضد الاحتلال

لم يكن موقف البرلمان الإسباني معزولاً عن مواقف أخرى اتخذتها الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز، الذي يُعد اليوم من أبرز قادة أوروبا الذين تحدوا السياسات الإسرائيلية علناً. 

فقد دعا سانشيز إلى استبعاد إسرائيل من الفعاليات الثقافية الدولية مثل “يوروفيغن”، على غرار ما حدث مع روسيا بعد غزوها لأوكرانيا. 

وشدد سانشيز في تصريحاته الأخيرة على أن ازدواج المعايير لم يعد مقبولاً، سواء في السياسة أو الثقافة، قائلاً: “إذا استُبعدت روسيا بسبب عدوانها، فلا يجب أن تستمر إسرائيل بالمشاركة في المحافل الدولية بينما ترتكب جرائم ضد المدنيين في غزة”.

وتُعد هذه التصريحات خطوة جريئة من رئيس وزراء أوروبي بارز، تؤكد أن مدريد باتت في طليعة العواصم الأوروبية التي تقود تحركاً دبلوماسياً وأخلاقياً مناهضاً للاحتلال.

ففي نهاية أبريل الماضي، ألغت الحكومة الإسبانية عقدًا لشراء ذخائر من شركة إسرائيلية، وأكدت أنها لن تمنح أي ترخيص لاستيراد ذخائر إسرائيلية، موضحة أن القرار جاء لأسباب تتعلق بـ”المصلحة العامة”. 

ولم تكتف الحكومة بذلك، بل أعلنت أنها لم تشترِ أو تبيع أي سلاح لإسرائيل منذ بداية الحرب على غزة، ولن تفعل مستقبلاً.

ويُضاف إلى ذلك منع السلطات الإسبانية سفينتين يُعتقد أنهما كانتا تحملان أسلحة إلى إسرائيل من الرسو في موانئها، إلى جانب دعوة سانشيز المتكررة للاتحاد الأوروبي لتعليق اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل، في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة في غزة ولبنان.

انهيار الرواية الإسرائيلية في الغرب وتواطؤ الحكومات العربية

تتزامن الخطوات الإسبانية مع تراجع ملحوظ في فاعلية الرواية الإسرائيلية داخل الأوساط الغربية، خصوصاً بعد اتضاح حجم المجازر التي تُرتكب في غزة، ونجاح النشطاء والمناصرين للقضية الفلسطينية في كشف زيف الادعاءات الإسرائيلية من خلال المنصات الحقوقية والإعلامية العالمية.

لقد تحول صمود أهل غزة إلى سلاح معنوي يقاوم به الفلسطينيون آلة القتل الإسرائيلية، ويكسرون من خلاله جدار الصمت الغربي الذي طالما أحاط الاحتلال بالحماية والدعم.

وفي مقابل ذلك، يظهر التواطؤ الفاضح من قبل بعض الأنظمة العربية التي لم تكتفِ بالصمت، بل شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في خنق غزة، سواء عبر منع المساعدات، أو عبر التنسيق الأمني، أو عبر محاولات تبييض صورة الاحتلال من خلال التطبيع. 

بل إن بعض الحكومات، كالحكومة المصرية والإماراتية، واصلت تعاقداتها الأمنية والتجارية مع تل أبيب، رغم اتضاح حجم الجرائم المرتكبة بحق الأطفال والنساء. هذا التناقض بين موقف الشعوب العربية ومواقف حكامها يضع هذه الأنظمة في موقف حرج أمام شعوبها وأمام التاريخ.

ويبرز الفارق بين الموقف الرسمي في مدريد، الذي اتجه نحو محاسبة الاحتلال ووقف التعاون العسكري معه، وبين العواصم العربية التي تواصل الصمت والتواطؤ، وكأنها شريكة في المجازر. 

فبينما يتحرك البرلمان الإسباني نحو حظر الأسلحة، لم يصدر عن أي برلمان عربي قرار مشابه، رغم أن الشعوب العربية، من المحيط إلى الخليج، تخرج في مسيرات غضب تضامناً مع غزة.

هل تحذو أوروبا حذو مدريد؟ ومتى يتوقف التواطؤ العربي؟

إن ما قامت به مدريد ليس مجرد موقف رمزي، بل هو تحول جوهري في آليات محاسبة الاحتلال ومراجعة علاقات التعاون معه. 

فتحرك البرلمان الإسباني، وقرارات الحكومة بإلغاء العقود العسكرية ومنع السفن، والدعوات لتعليق اتفاقيات الشراكة، كلها تشير إلى بداية مسار أوروبي جديد في التعامل مع الاحتلال، إذا ما تبنّته دول أخرى كإيرلندا وبلجيكا والسويد.

ومع أن هذا المسار ما زال بطيئاً في مجمله، إلا أن ضغط الشعوب الأوروبية، وحملات المقاطعة، والتقارير الحقوقية، قد تدفع بالمزيد من الحكومات إلى مراجعة سياساتها. لكن يبقى السؤال الأهم: متى تكفّ الحكومات العربية عن تواطئها؟ ومتى يتحرك البرلمانيون العرب لاتخاذ قرارات توقف نزيف الدم الفلسطيني؟

لقد كشفت الحرب على غزة الكثير من الأقنعة، وأظهرت أن من يمتلك الموقف الأخلاقي الحقيقي هم الشعوب، لا الأنظمة. أما إسبانيا، فقد فتحت الطريق أمام ضمير أوروبي يبدو أنه بدأ يصحو بعد طول غيبوبة.

اقرأ أيضًا : الإمارات تشعل الصراع.. الدبيبة يصعّد ضد عقيلة صالح ويتهمه بإشعال الحروب