في مشهد متكرر من الجرائم المتعمدة، سقط عشرات الشهداء والجرحى الفلسطينيين، الثلاثاء، قرب مراكز توزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، بعدما فتحت قوات الاحتلال نيرانها على حشود من المدنيين الذين لا يحملون سوى جوعهم وبطاقة انتظار.

تأتي هذه المجزرة الجديدة لتعمّق الجراح المفتوحة منذ بدء العدوان، ولتكشف مجددًا الوجه الحقيقي للآلة العسكرية الإسرائيلية التي تحوّل “لقمة العيش” إلى فخ للموت.

نيران الاحتلال تصطاد الجياع

بحسب الدفاع المدني الفلسطيني، فإن 51 شخصًا استشهدوا منذ فجر الثلاثاء، معظمهم في محيط مركزين لتوزيع المساعدات في وسط وجنوب القطاع. فقد أكد الناطق باسم الجهاز، محمود بصل، أن طواقمهم نقلت 25 شهيدًا إلى مستشفى ناصر في خان يونس، نتيجة قصف وإطلاق نار من قوات الاحتلال على مدنيين في غرب رفح، بينهم أطفال.

وفي وسط غزة، ارتكبت إسرائيل مجزرة أخرى، حين أطلقت نيرانها وقذائفها على آلاف المدنيين المنتظرين عند مركز المساعدات قرب مفترق الشهداء (نتساريم) وجسر وادي غزة، ما أسفر عن 21 شهيدًا ونحو 150 جريحًا، بينهم 62 إصابة حرجة، بحسب مستشفى العودة.

شهود العيان أكدوا أن ما حدث لم يكن اشتباكًا أو ردًا على إطلاق نار، بل عملية استهداف مباشر لجمهور أعزل. المواطن ربحي القصاص وصف المشهد بالقول: “خدعنا اليهود وأدخلونا ثم أطلقوا النار علينا عشوائيًا. الشهداء والجرحى بالشوارع من أجل رغيف خبز”. كانت الحشود تتجاوز الـ50 ألفًا، وكلهم فقراء يطاردون شاحنة معونة لا تكفي لعشرهم.

المساعدات.. فخ قاتل بغطاء “إنساني”

اللافت أن هذه المجازر تحدث في محيط ما يسمى “مراكز توزيع المساعدات”، والتي من المفترض أن تخفف من معاناة المحاصرين. لكن الواقع يؤكد أن آلية إدخال وتوزيع المساعدات، التي تديرها “مؤسسة غزة الإنسانية” بدعم أميركي وإسرائيلي، تحولت إلى فخ قاتل. فقد أشار المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني إلى أن هذه الآلية “مشينة ومهينة ومذلّة”، وتحصد أرواحًا أكثر مما تنقذها.

تأسست هذه المؤسسة في مايو/أيار الماضي بعد أن خففت إسرائيل حصارها جزئيًا استجابة لتحذيرات دولية من خطر المجاعة، لكنها حافظت على تحكمها الكامل في آليات التوزيع ومسارات دخول القوافل، ما يجعلها أداة إسرائيلية بغطاء إنساني، وفقًا للمنظمات الرافضة للتعاون معها.

وزارة الصحة الفلسطينية كشفت أن حصيلة الشهداء قرب مراكز المساعدات منذ بدء عمل المؤسسة المشبوهة وصلت إلى 516 قتيلاً، فيما تجاوز عدد المصابين 3800 شخص، في مؤشر مرعب على أن ساحة توزيع المعونات تحولت إلى ساحة إعدام جماعي.

صمت المجتمع الدولي وتواطؤ مقنّع

الجريمة الجديدة في غزة لاقت استنكارًا دوليًا خجولًا لا يرتقي إلى مستوى الحدث. فقد اكتفت الخارجية الفرنسية بإدانة إطلاق النار على المدنيين، فيما وصفت الأمم المتحدة تحويل الغذاء إلى سلاح بـ”جريمة حرب”. وقال الناطق باسم مفوضية حقوق الإنسان، ثمين الخيطان، إن “الأشخاص في غزة يواجهون خيارًا غير إنساني بين الموت جوعًا أو القتل أثناء محاولة الحصول على الغذاء”.

لكن الإدانات الكلامية دون قرارات ملزمة أو عقوبات فعلية تعني شيئًا واحدًا: تواطؤ صامت. إذ إن المجتمع الدولي يدين القتل، لكنه يغضّ الطرف عن الجهة التي تسيطر على دخول الغذاء وتطلق الرصاص على من ينتظره. بل ويمنح غطاءً لمؤسسة “إنسانية” مشبوهة، تخضع للرقابة الإسرائيلية وتعمل خارج أطر المنظمات الأممية المحايدة.

الأكثر خطورة أن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الكبرى امتنعت عن التعاون مع هذه المؤسسة، نظرًا لغياب الشفافية وخشيتها من أن تكون مجرد ذراع إنسانية للاحتلال تسهم في تنفيذ أجندته العسكرية، لا سيما مع تكرار الجرائم في محيط المراكز التابعة لها.

إجرام منهجي وليس خطأ فرديًا

ما يحدث في غزة لم يعد مجرد خروقات عسكرية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تركيع الفلسطينيين بالجوع والدم. إطلاق النار المتكرر على مراكز المساعدات، وإصابة المدنيين العزّل، واستهداف سيارات الإسعاف، كل ذلك يُظهر أن الاحتلال يتبع خطة مركبة تقوم على التجويع والإذلال، وصولًا إلى تدمير البنية النفسية والاجتماعية للسكان.

ورغم أن الضربات الإسرائيلية تتركز حاليًا على رفح ومناطق وسط القطاع، إلا أن كل نقطة توزيع، وكل حاوية طعام، باتت مشروع مذبحة بانتظار اللحظة. فالاحتلال يخلق الأزمة، ثم يستغلها لكسب الوقت والضغط على المقاومة، بل ويحاول أن يُحمّل مسؤولية الجوع للأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

خاتمة: متى يتحرك العالم؟

أمام هذه المجازر المتكررة، وسقوط مئات الشهداء في مواقع كان يجب أن تكون ملاذًا إنسانيًا، لا تزال العواصم الكبرى تكتفي بإدانات باهتة دون أي خطوة لوقف شلال الدم. وإذا كانت الأمم المتحدة ترى أن استخدام الغذاء كسلاح هو جريمة حرب، فماذا بعد؟ أين المحاكم؟ وأين العدالة؟

إن ما يحدث قرب مراكز المساعدات في غزة هو اختبار صارخ للضمير العالمي. إما أن يتحرك لإنقاذ المدنيين، أو يثبت من جديد أن الجوع والدم الفلسطينيين لا يحركان سوى البيانات الباردة.

اقرأ أيضًا : مـ ـذبـ ـحة في مستشفى المجلد.. منظمة الصحة تدين المجزرة والإمارات في قفص الاتهام