في مشهد سياسي متوتر ومفتوح على احتمالات شتى، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس أن عملية الإفراج عن 48 أسيراً — بينهم أحياء وأموات، وغالبيتهم من الإسرائيليين — ستبدأ صباح الاثنين، وفقاً للاتفاق الذي وُقّع بوساطة أمريكية ودولية.
وفي المقابل، أكد قادة الحركة أن الاستعداد العسكري لا يزال قائماً، وأن المقاومة لن تتردد في خوض معركة جديدة إذا استأنف الاحتلال الإسرائيلي حربه على غزة.

المرحلة الأولى من الاتفاق: تبادل الأسرى كبداية سياسية
أكد القيادي في حماس أسامة حمدان أن الاتفاق يسير في مساره المقرر دون أي تطورات جديدة، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تشمل تبادل الأسرى ووقفاً لإطلاق النار يدخل حيز التنفيذ الكامل خلال الأيام المقبلة.
ويُنتظر أن تفرج سلطات الاحتلال عن نحو ألفي معتقل فلسطيني من سجونها فور إتمام المرحلة الأولى من تبادل الأسرى، وفق ما تنص عليه البنود التفصيلية التي وُضعت بإشراف الوسطاء.
هذه الخطوة، التي تراها أطراف إقليمية بوصفها “اختباراً حقيقياً للنيات”، تمثل لحظة حساسة في مسار الحرب الممتدة منذ عامين. فنجاح التبادل يُعتبر بمثابة أول مؤشر على إمكانية بناء مسار تهدئة طويل الأمد، بينما أي خلل أو تأخير قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر ويُشعل جولة جديدة من التصعيد.
حماس: السلاح ليس موضع نقاش
في موازاة المسار التفاوضي، خرج عضو المكتب السياسي لحماس حسام بدران بتصريحات حاسمة تؤكد أن الحركة لن تتخلى عن سلاحها، قائلاً: “السلاح في الحالة الفلسطينية هو سلاح الشعب كله، وهو حق طبيعي لكل من يعيش تحت الاحتلال.”
بهذا الموقف، تسعى حماس لتثبيت معادلة واضحة: المقاومة المسلحة ليست ملفاً تفاوضياً، بل جوهر الوجود الوطني الفلسطيني.
هذا الخطاب يبعث برسالة مزدوجة: فهو من جهة يعزز الثقة داخل الصف الفلسطيني بأن الحركة لن تقدم تنازلات تمس جوهر مشروع المقاومة، ومن جهة أخرى يوجه تحذيراً للجانب الإسرائيلي بأن أي خرق أو استفزاز سيقابل برد مباشر.
بدران أوضح أن حماس “تأمل ألا تعود المعركة مجدداً”، لكنها في الوقت ذاته “مستعدة للقتال بكل ما تملك إذا فُرضت الحرب من جديد”، في إشارة إلى أن خيار المقاومة ما زال مطروحاً بقوة على الطاولة.
صمود المقاومة وتحديات المفاوضات المقبلة
على الرغم من أن الاتفاق الحالي يُعد إنجازاً دبلوماسياً مهماً، فإن القيادات الفلسطينية تدرك أن المرحلة الثانية من المفاوضات ستكون أكثر تعقيداً.
بدران أوضح أن بنود المرحلة الثانية، التي تتضمن ترتيبات سياسية وأمنية أوسع ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، “تنطوي على كثير من الصعوبات”، وأنها تتطلب “تفاوضاً أطول وحواراً وطنياً فلسطينياً” لتوحيد الموقف الداخلي قبل الدخول فيها.
إصرار حماس على إشراك القوى الوطنية كافة في صياغة الموقف الفلسطيني يعكس وعياً بتجارب الماضي، حين كانت التسويات الجزئية تخلق شرخاً في الصف الوطني وتُفشل أي مسار سياسي لاحق. لذلك، تشدد الحركة اليوم على أن أي تفاوض جديد يجب أن يقوم على قاعدة الإجماع الوطني، لا على اتفاقات تُفرض من الخارج أو تُدار حصرياً عبر الوسطاء.
هدوء هشّ فوق رماد الحرب
يأتي الإعلان عن موعد تبادل الأسرى في وقت يعيش فيه قطاع غزة هدنةً حذرةً بعد عامين من الدمار والحصار والقصف.
المدن المدمرة بدأت تستقبل عائلات عادت لتتفقد ما تبقى من منازلها، فيما تعمل فرق الإغاثة على انتشال الجثامين وتقديم المساعدات في ظل نقص حاد في الكهرباء والماء والدواء.
وفي المقابل، تُبقي إسرائيل قواتها في “الخط الأصفر” على تخوم القطاع، ما يثير مخاوف من إمكانية خرق الاتفاق أو إعادة التوغل في حال نشبت توترات ميدانية.
هذه الأوضاع تجعل من الهدنة الحالية فرصة محدودة زمنياً، ومشروطة بسلوك الأطراف على الأرض.
ففي حين تسعى قطر ومصر وتركيا لضمان التزام الجانبين بالاتفاق، تتوجس المقاومة من نوايا الاحتلال الذي ما زال يراهن على الضغط الميداني لتحقيق مكاسب سياسية.
بين المقاومة والتهدئة: توازن صعب ومعادلة مفتوحة
تدرك حماس أن المفاوضات ليست سوى جولة ضمن معركة طويلة الأمد مع الاحتلال، وأن المقاومة — رغم الإنهاك والحصار — ما زالت تملك ما يكفي من القوة لفرض معادلاتها.
لكنها في الوقت نفسه تحاول إدارة الملف السياسي بحذر، لئلا تُتهم بتعطيل المسار الإنساني أو إضاعة فرص الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين.
ومع تحديد الاثنين موعداً لبدء التبادل، يقف المشهد عند مفترق حساس:
إما أن ينجح الاتفاق في فتح الباب أمام استقرار نسبي واستعادة الحياة تدريجياً في غزة،
وإما أن يتهاوى تحت وطأة انعدام الثقة والتصعيد المحتمل، لتعود الحرب من جديد بوجه أشدّ قسوة.
في الحالتين، تبقى الرسالة التي أرادت حماس إيصالها واضحة:
أنها مستعدة للتفاوض حين يخدم مصلحة الشعب، ومستعدة للقتال حين يُفرض عليها العدوان.
وبين هذين الخيارين، تستمر معركة الإرادة — السياسية والعسكرية — التي لم تُحسم بعد.
اقرأ أيضًا : المقاومة تُسقط صورة نتنياهو.. ويتكوف يحتفل من تل أبيب وسط صيحات استهجان