دبي تُسوَّق حول العالم باعتبارها مدينة الأحلام: ناطحات سحاب براقة، فنادق فاخرة، أسواق مزدحمة، ومركز للأعمال والاستثمار. لكن خلف هذه الواجهة يختبئ واقع آخر أكثر قتامة. الإمارة تحولت في السنوات الأخيرة إلى ملاذ آمن لزعماء المافيا الدولية، مكان يجد فيه كبار المجرمين حرية الحركة، القدرة على إنفاق الأموال بلا رقابة، شراء العقارات، وإدارة شبكاتهم بعيداً عن أعين أجهزة الأمن الدولية. الاعتقالات الأخيرة لأربعة من أخطر زعماء الجريمة الاسكتلندية لم تكن سوى حلقة جديدة من مسلسل الفضائح الذي يكشف الوجه الحقيقي لدبي كعاصمة عالمية للجريمة المنظمة وغسيل الأموال.
في السادس عشر من سبتمبر، ألقت شرطة دبي القبض على أربعة أسماء بارزة في عالم المافيا: ستيفن ليونز، روس ماكغيل، ستيفن جاميسون، وستيفن لارود. هذه ليست أسماء عادية، بل وجوه ارتبطت بعشرات الجرائم في اسكتلندا وإسبانيا، من تهريب الكوكايين بملايين الجنيهات إلى الاغتيالات العلنية التي حوّلت شوارع غلاسكو إلى ساحة حرب. وعلى مدى 25 عاماً، سيطرت عائلتا “ليونز” و”دانييل” على عالم الجريمة في اسكتلندا، لتتوسع أنشطتهما فيما بعد إلى أوروبا والخليج، وتستقر قياداتها في النهاية في دبي.
القصة بدأت عام 2001 مع سرقة شحنة كوكايين قيمتها 20 ألف جنيه إسترليني من منزل لعائلة دانييل. هذه السرقة كانت الشرارة التي أطلقت حرباً دامية بين العائلتين، لم تنتهِ حتى اليوم. ذروة التصعيد جاءت في ديسمبر 2006 عندما هاجم مسلحان كراج سيارات يملكه أقارب ليونز، فقتلوا مايكل ليونز البالغ من العمر 21 عاماً وأصابوا ستيفن ليونز نفسه وشريكه. في المحكمة، وُصف المشهد بأنه “مستوحى من فيلم العراب“.
الهجمات المتبادلة لم تتوقف. في يناير 2010، شهدت غلاسكو اغتيالاً علنياً غير مسبوق: كيفن “جيربل” كارول، أحد أبرز رجال عائلة دانييل، قُتل بـ13 رصاصة في وضح النهار أمام المتسوقين في موقف سيارات. المحققون وضعوا قائمة تضم 99 مشتبهاً محتملاً. وفي 2015، أُدين ويليام “باف” باترسون بجريمة القتل وحكم عليه بالسجن 22 عاماً على الأقل، بعدما فر إلى إسبانيا.
بمرور السنوات، اتخذت المواجهة طابعاً أكثر وحشية. في 2017، نجا ستيفن “بونزو” دانييل، زعيم الجيل الثاني للعائلة، من محاولة اغتيال شرسة بعد مطاردة انتهت بحادث سيارة وهجوم بأسلحة بيضاء ترك وجهه مشوهاً. وفي 2019، أدين ستة من رجال عائلة ليونز بتدبير خمس جرائم قتل، في محاكمة قال فيها القاضي إنهم “سعوا لتحويل غلاسكو إلى ساحة حرب.”
لكن الأهم لم يكن في شوارع غلاسكو وحدها. مع اشتداد الضغط الأمني، بدأ كبار الزعماء يبحثون عن ملاذات جديدة. وهنا ظهرت دبي: مدينة توفر لهم ما يحتاجونه بالضبط – حماية، بيئة مالية ضعيفة الرقابة، وواجهة براقة تسمح لهم بالاختفاء بين رجال الأعمال والسياح.
ستيفن ليونز نفسه غادر إلى إسبانيا أولاً، ثم استقر في دبي. هناك نسج علاقات وثيقة مع عصابة “كيناهان” الأيرلندية، وهي شبكة تهريب مخدرات وغسيل أموال عملاقة تتخذ من الإمارات مقراً رئيسياً لها. هذه العلاقة سمحت لعائلة ليونز بمضاعفة ثرواتها والانضمام إلى شبكة إجرامية ذات امتداد عالمي.
روس ماكغيل، الذي بدأ كقائد لمجموعة مشجعي رينجرز “الاتحاد بيرز”، استغل بدوره دبي لإعادة تشكيل نفوذه. التقارير الإعلامية أشارت إلى أنه كان يدير من هناك موجة عنف جديدة اجتاحت إدنبرة وغلاسكو في 2023، تضمنت حرائق متعمدة واعتداءات على أبرياء بينهم نساء وأطفال. أحد الهجمات استهدف امرأة مسنة عمرها 72 عاماً وطفلاً عمره 12 سنة في غلاسكو، وأخرى أصابت رجلاً خمسينياً بجروح خطيرة أمام منزله في إدنبرة.
ماكغيل لم يكتفِ بإدارة العنف من بعيد، بل أسس عصابة جديدة أطلق عليها اسم “تامو خونتا”، وبدأ يرسل تهديدات مسجلة على وسائل التواصل، مظهراً قوته واستعراض نفوذه. لكن هذا السلوك خلق توتراً مع ستيفن ليونز نفسه، الذي كان يفضل البقاء في الظل داخل دبي بعيداً عن الأضواء.
المثير للانتباه أن كل هذه الفصول الدموية لم تمنع رجال العصابات من الاستقرار بحرية في دبي. الإمارة لم تكتفِ بتجاهل وجودهم، بل قدمت لهم بيئة مثالية لإدارة أعمالهم القذرة. الأموال تُنفق علناً، العقارات تُشترى في أكثر الأحياء فخامة، والسلطات تغض الطرف ما دام الإنفاق يصب في سوقها المحلي.
بهذا، لم تكن الاعتقالات الأخيرة مجرد عملية أمنية، بل فضيحة دولية كشفت كيف تحولت دبي إلى مأوى لعصابات المافيا الأوروبية، وإلى مركز يلتقي فيه تجار الكوكايين وزعماء الجريمة لغسل ثرواتهم تحت غطاء الشرعية.