تتسع تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، لتضع دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، في مواجهة اختبار غير مسبوق يتعلق بقدرتها على الحفاظ على صورة “الملاذ الآمن” التي بنتها خلال العقود الماضية. ومع وصول الهجمات الإيرانية إلى دبي، أحد أهم المراكز الاقتصادية والسياحية في المنطقة، بدأت تتكشف حدود هذا النموذج القائم على الاستقرار المصطنع والتحالفات الأمنية الخارجية.
وأشارت صحيفة “صاندي تايمز” البريطانية في تقرير لها إلى أن الهجمات التي نفذتها إيران بطائرات مسيّرة خلال الأسابيع الماضية لم تكن مجرد ضربات عسكرية محدودة، بل حملت رسالة استراتيجية مفادها أن المراكز الاقتصادية الخليجية باتت ضمن دائرة الاستهداف المباشر في أي مواجهة إقليمية واسعة.
وبحسب التقرير، فإن هذه الضربات كشفت هشاشة البنية الأمنية التي تعتمد عليها دول الخليج، رغم استثماراتها الضخمة في أنظمة الدفاع الأمريكية، كما سلطت الضوء على المخاطر التي قد تواجهها الإمارات نتيجة انخراطها المتزايد في التحالفات الإقليمية المرتبطة بالمصالح الإسرائيلية والأمريكية.
ضرب دبي.. كسر صورة “الواحة الآمنة”
لطالما حرصت الإمارات على تسويق نفسها كواحة استقرار في منطقة تعج بالصراعات، مستندة إلى بيئة اقتصادية مفتوحة، وبنية تحتية متطورة، وقطاع سياحي ضخم. لكن الهجمات الأخيرة بددت جزءاً كبيراً من هذه الصورة.
فبحسب ما نقلته الصحيفة، حلقت طائرات مسيّرة إيرانية من طراز “شاهد” فوق مياه الخليج قبل أن تستهدف مواقع في دبي، الواقعة على بعد نحو 160 كيلومتراً فقط من السواحل الإيرانية، وهو ما يعكس هشاشة الجغرافيا الأمنية لدول الخليج.
وأدى أحد الهجمات إلى اندلاع حريق في فندق فاخر بمنطقة نخلة جميرا، ما أثار صدمة في الأوساط الاقتصادية والسياحية، خصوصاً أن هذه المنطقة تعد رمزاً لنجاح نموذج دبي القائم على الاستثمار والسياحة الدولية.
كما تسبب الهجوم في حالة من القلق بين المقيمين الأجانب والسياح، حيث غادر آلاف منهم البلاد خلال أيام قليلة، في مشهد غير مألوف بالنسبة لدولة اعتادت التفاخر بكونها الأكثر استقراراً في الشرق الأوسط.
اقتصاد قائم على الاستقرار يواجه اختباراً صعباً
يعتمد الاقتصاد الإماراتي بشكل كبير على الاستقرار السياسي والأمني، إذ تقوم قطاعات السياحة والطيران والخدمات المالية والتجارة الدولية بدور أساسي في دعم النمو الاقتصادي.
غير أن الهجمات الأخيرة كشفت مدى حساسية هذا النموذج لأي اضطرابات أمنية، حتى وإن كانت محدودة.
فقد تعرض المركز المالي في دبي لهجوم بطائرات مسيّرة، ما دفع بعض المؤسسات المالية الكبرى إلى إخلاء مكاتبها مؤقتاً، كما أدت ضربات استهدفت مراكز بيانات إلى تعطيل خدمات مصرفية رقمية.
وفي الوقت ذاته، تصاعدت أعمدة دخان من منشأة نفطية في إمارة الفجيرة بعد هجوم بطائرة مسيّرة يشتبه بأن إيران نفذته، وهو ما زاد المخاوف من استهداف البنية التحتية الاقتصادية الحيوية في الدولة.
كما انعكست هذه التطورات على التوقعات الاقتصادية للمنطقة، حيث خفضت مؤسسة “ستاندرد آند بورز” توقعاتها لنمو اقتصادات الخليج خلال عام 2026 من نحو 4.3 بالمئة إلى ما يزيد قليلاً على 2 بالمئة فقط.
التطبيع والتحالفات الأمنية.. كلفة سياسية متزايدة
تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي أوسع يتعلق بالدور الذي تلعبه الإمارات في التحالفات السياسية والعسكرية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
فمنذ توقيع اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي عام 2020، عززت أبوظبي تعاونها الأمني والعسكري مع تل أبيب وواشنطن، وقدمت نفسها كحليف رئيسي في الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
لكن هذا التموضع السياسي جعل الإمارات، وفقاً لعدد من المحللين، أكثر عرضة للردود الإيرانية في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة.
وتشير الصحيفة إلى أن الحرب الحالية كشفت واقعاً استراتيجياً جديداً بالنسبة لدول الخليج، إذ إن الأراضي الخليجية باتت أقرب إلى دائرة الاستهداف من الولايات المتحدة نفسها، بحكم وجود قواعد عسكرية أمريكية ومنشآت استراتيجية مرتبطة بالتحالفات الغربية.
سباق تسلح لم يمنع الاختراق الأمني
على مدى السنوات الماضية، أنفقت دول الخليج مئات المليارات من الدولارات على شراء أحدث الأسلحة الأمريكية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.
فقد استثمرت الإمارات والسعودية وقطر مبالغ ضخمة في أنظمة “باتريوت” و“ثاد”، إضافة إلى طائرات مقاتلة متطورة مثل إف-15 وإف-35.
ومع ذلك، يرى خبراء عسكريون أن هذه الأنظمة قد لا تكون كافية للتعامل مع التهديدات الجديدة، خصوصاً الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة التي يمكن إطلاقها بأعداد كبيرة.
إذ إن استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن لإسقاط طائرات مسيّرة رخيصة لا يعد حلاً مستداماً من الناحية الاقتصادية والعسكرية، وهو ما يضع دول الخليج أمام تحديات دفاعية متزايدة.
قلق خليجي متصاعد من الحليف الأمريكي
إلى جانب المخاوف الأمنية، تشير التقارير إلى تزايد القلق داخل بعض العواصم الخليجية بشأن طبيعة التحالف مع الولايات المتحدة.
فقد استثمرت دول الخليج موارد سياسية واقتصادية ضخمة في علاقتها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك صفقات أسلحة تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار.
لكن مسؤولين خليجيين يرون أن هذه الاستثمارات لم تكن كافية لضمان حماية مصالحهم أو حتى إشراكهم في القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالحرب.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مصادر مطلعة، فإن بعض المسؤولين في المنطقة باتوا يعتقدون أن هناك “نظام حلفاء مزدوجاً” في الشرق الأوسط، تتصدر فيه إسرائيل سلم الأولويات الأمريكية، بينما تأتي دول الخليج في مرتبة أدنى.
الإمارات بين خيار التهدئة ومخاطر التصعيد
حتى الآن، لم تنخرط الإمارات عسكرياً بشكل مباشر في المواجهة مع إيران، لكنها تجد نفسها في موقع معقد بين الحفاظ على تحالفاتها الغربية وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.
وفي الوقت ذاته، تحاول الحكومة الإماراتية الحفاظ على صورة الاستقرار من خلال التقليل من تأثير الهجمات والتأكيد على قدرة الاقتصاد على التعافي سريعاً.
لكن الواقع يشير إلى أن الضربات الأخيرة قد فتحت مرحلة جديدة في معادلات الأمن الإقليمي، حيث أصبحت المراكز الاقتصادية الخليجية جزءاً من ساحات الصراع المحتملة.
ومع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، تبدو الإمارات اليوم أمام معادلة صعبة: فالدور الذي لعبته في التحالفات الإقليمية والتطبيع مع الاحتلال منحها نفوذاً سياسياً واقتصادياً، لكنه في المقابل جعلها أيضاً أقرب إلى خطوط النار في واحدة من أخطر المواجهات في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
اقرأ أيضًا : مجزرة مروعة في طمون.. الاحتلال يقتل عائلة فلسطينية كاملة بدم بارد ويمنع الإسعاف من إنقاذ الضحايا