في خطوة تثير جدلًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية والعربية، كشفت وكالة “رويترز” عن تعاقد شركة فلسطينية مقرها قطاع غزة على تنفيذ مجمّع سكني ضخم في مدينة رفح بتمويل إماراتي، وفي مناطق تخضع حاليًا للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. المشروع، الذي يستهدف استيعاب عشرات آلاف النازحين، لا يأتي ضمن خطة وطنية فلسطينية لإعادة الإعمار، ولا في إطار انسحاب إسرائيلي أو تسوية سياسية شاملة، بل يُنفّذ في ظل استمرار الاحتلال والحصار.

هذا التوقيت يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة المشروع، وأهدافه الحقيقية، ودوره في إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في جنوب قطاع غزة، بعيدًا عن أي توافق وطني أو دولي عادل.

شركات فلسطينية برعاية إقليمية مشبوهة

بحسب المعلومات المتداولة، ستتولى شركة “مسعود وعلي للمقاولات” تنفيذ المشروع بالتعاون مع شركتين مصريتين، في إطار تمويل إماراتي مباشر. ورغم أن الشركة فلسطينية الهوية، فإن ظروف التعاقد وطبيعة التمويل والإشراف الخارجي تضع المشروع ضمن منظومة إقليمية-دولية تتجاوز القرار الفلسطيني المستقل.

غياب أي موقف رسمي فلسطيني موحد، سواء من السلطة أو من القوى الوطنية، يعكس حجم الضغوط السياسية والاقتصادية التي تُمارس على المؤسسات المحلية لدفعها للانخراط في مشاريع قد تُستخدم لاحقًا كأدوات تطويع سياسي.

كما أن امتناع الشركة عن التعليق، وصمت الاحتلال، يعززان الشكوك حول وجود تفاهمات غير معلنة تُدار في الغرف المغلقة، بعيدًا عن الشفافية والمساءلة.

إعمار مشروط ونزع للسيادة

تكشف وثائق تخطيطية نشرتها صحيفة “الغارديان” أن المشروع جزء من تصور أوسع لما يسمى “رفح الجديدة”، بإشراف مجلس سلام أمريكي، ويتضمن إنشاء نحو 100 ألف وحدة سكنية دائمة، ومراكز تعليمية وطبية.

لكن الأخطر في هذه الوثائق هو ربط الخدمات الأساسية بإجراءات أمنية صارمة، تشمل:

  • جمع بيانات بيومترية للسكان
  • إخضاعهم لفحوص أمنية مستمرة
  • استخدام محافظ إلكترونية خاضعة للرقابة
  • التحكم بالمناهج التعليمية

بهذا المعنى، لا نتحدث عن إعمار إنساني، بل عن هندسة اجتماعية وأمنية تُحوّل السكان إلى “ملفات أمنية”، وتربط حقهم في السكن والعلاج والتعليم بمدى التزامهم بالمنظومة المفروضة عليهم.

هذا النموذج يُفرغ مفهوم السيادة الفلسطينية من مضمونه، ويحوّل الإعمار إلى أداة ضبط وسيطرة.

الإمارات ودورها الوظيفي في المشروع

تسعى الإمارات، منذ سنوات، إلى تقديم نفسها كراعٍ “إنساني” في مناطق النزاع، لكنها في الواقع تلعب أدوارًا سياسية تخدم أجندات إقليمية ودولية. في حالة غزة، يظهر التمويل الإماراتي بوصفه غطاءً لتمرير مشروع يعيد ترتيب القطاع بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية-الأمريكية.

بدل دعم إعادة إعمار حقيقية تقوم على إنهاء الاحتلال ورفع الحصار، تشارك أبوظبي في مشروع يُكرّس واقع السيطرة العسكرية، ويُشرعن بقاء الاحتلال، ويُعيد توطين النازحين في مناطق خاضعة للرقابة.

هذا السلوك يعكس نمطًا متكررًا في السياسة الإماراتية، حيث يُستخدم المال لإعادة تشكيل الخرائط السياسية، وتهميش قوى المقاومة، وإنتاج “استقرار” يخدم أمن الاحتلال قبل أي شيء آخر.

إعادة توطين أم تهجير ناعم؟

رغم تقديم المشروع باعتباره استجابة لأزمة النزوح، إلا أن موقعه وطبيعته يثيران مخاوف من كونه خطوة ضمن مخطط “تهجير ناعم” للفلسطينيين داخل القطاع نفسه.

تجميع عشرات الآلاف في مجمّعات خاضعة للمراقبة، بعيدًا عن مناطقهم الأصلية المدمرة، قد يؤدي عمليًا إلى:

  • تثبيت واقع التدمير دون إعادة إعمار المناطق الأصلية
  • تفكيك الروابط الاجتماعية والمكانية
  • خلق تجمعات سكنية ضعيفة سياسيًا وأمنيًا
  • تسهيل التحكم في السكان مستقبلاً

وهذا السيناريو يخدم الرؤية الإسرائيلية القائمة على تقليص الوجود الفلسطيني الفاعل، وتحويله إلى كتل سكانية مُدارة إداريًا.

إسكات السياسة باسم الإغاثة

يُقدَّم المشروع ضمن خطاب “إنساني” يركّز على الإيواء والخدمات، لكنه يتجاهل جوهر المأساة: الاحتلال والحصار والعدوان المستمر. وبهذا يتم فصل الإغاثة عن السياسة عمدًا، وكأن المشكلة في غزة أزمة سكن لا قضية تحرر وطني.

هذا الفصل يخدم الاحتلال، لأنه يحوّل المأساة إلى ملف إداري، يمكن إدارته عبر مشاريع ممولة، دون المساس بجذور الصراع.

كما يُضعف أي ضغط دولي لإنهاء الحرب، ويمنح إسرائيل هامشًا للاستمرار في سياساتها دون محاسبة.

مشروع يعمّق التبعية بدل التحرر

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مشروع “رفح الجديدة” بوصفه خطوة إعمار بريئة، بل هو جزء من هندسة سياسية وأمنية أوسع، تُدار بأموال إماراتية، وإشراف أمريكي، وتحت مظلة الاحتلال الإسرائيلي.

هو مشروع يعمّق التبعية، ويُحوّل الإغاثة إلى أداة ضبط، ويُعيد إنتاج السيطرة بأدوات ناعمة، بدل الدبابات والطائرات.

في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأهم: هل يُسمح لغزة أن تُعاد إعمارها بحرية وكرامة، أم يُراد لها أن تُعاد تشكيلها كمنطقة خاضعة، منزوع منها القرار، ومحاصرة حتى في بيوتها الجديدة؟

الإجابة، حتى الآن، تشير إلى أن ما يُبنى في رفح ليس مدينة للنازحين، بل نموذجًا جديدًا للهيمنة المقنّعة.