بقلم / حسين المسيري

من جديد، يكشف تحقيق استقصائي موسّع لصحيفة وول ستريت جورنال الستار عن واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها نظام عربي في التاريخ الحديث. سجن صيدنايا، الذي طالما حذّر الناجون من فظائعه، تبيّن أنه لم يكن مجرد مركز احتجاز، بل “مصنع بيروقراطي للقتل الجماعي” برعاية نظام بشار الأسد، حيث بات الشنق الجماعي والتعذيب حتى الموت هو الروتين الشهري المتّبع.

ومع سقوط النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024 ودخول الثوار إلى العاصمة دمشق، تكشّفت وقائع مروّعة ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، عجزت الإنسانية عن إيقافها رغم معرفتها المسبقة بها.

جحيم صيدنايا: من الموت الممنهج إلى المقابر الجماعية

التحقيق، المبني على شهادات 21 معتقلًا سابقًا ومسؤولين اثنين شاركا في عمليات الإعدام، إضافةً إلى عشرات الوثائق والصور والمقابلات، يرسم صورة سوداوية لسجن صيدنايا، حيث كانت عمليات الشنق الجماعي تُنفّذ كل ليلة تقريبًا منذ منتصف مارس/آذار 2023، حتى بلغت ذروتها بمجزرة قتل فيها 600 معتقل خلال ثلاثة أيام فقط. لم يكن القتل عشوائيًا، بل كان عملية منظمة، احتفظت بها المخابرات السورية بسجلات دقيقة، توثّق أسماء الضحايا، أماكن اعتقالهم، وتواريخ إعدامهم.

في هذا السياق، يعقد التحقيق مقارنة بين منهجية القتل في صيدنايا، وبين سياسات التطهير التي انتهجها النازيون في القرن الماضي، خاصة من حيث مشاركة الدولة ومؤسساتها في تنفيذ الإعدامات، وإدارة المقابر الجماعية، وفرض الصمت على العائلات عبر الخوف أو الإخفاء. شهادات العمال الذين أجبروا على دفن الجثث، ومنهم محمد عفيف نايفه، كشفت أن الجثث كانت تُنقل في شاحنات تبريد عسكرية من صيدنايا وفروع المخابرات إلى مقابر سرية مثل نجها وقُطَيفة، حيث توسّعت مساحة القبور الجماعية إلى ما يقرب من 40 ألف متر مربع، وفق صور الأقمار الصناعية التي راجعتها الصحيفة.

شهادات أحياء خرجوا من الجحيم.. وصمة العار على جبين العالم

في واحدة من أكثر الشهادات إيلامًا، روى المعتقل محمد إبراهيم، أستاذ الرياضيات المنشق، تفاصيل وصوله إلى صيدنايا في أبريل 2019 بعد تسليمه نفسه تحت ما ظنه “عفوًا عامًا”. لم تكد تمضي ساعات حتى تلقى ما يعرف بـ”حفلة الترحيب”، إذ تم تجريده من ملابسه، وتعليقه وتعذيبه، وإلقاؤه في زنزانة ضيقة بلا تهوية أو ضوء، تنبعث منها رائحة الموت. ورغم كل ذلك، فإن إبراهيم كان من القلة الذين خرجوا أحياء في ديسمبر 2024 مع سقوط النظام، ليروي قصصًا عن الجوع، والضرب، وشرب البول، وموت المعتقلين أمام أعينهم.

السجناء السابقون وصفوا روتين الرعب اليومي، من الضرب بالعصيّ المعدنية، إلى جلسات الإعدام الجماعي ليلًا، وصولًا إلى الاعتداءات الجنسية، وانعدام الرعاية الطبية، وسوء التغذية، والجفاف القاتل. شهادة محمود عمر وردة، الذي نجا بعد أن فقد 17 من زملائه في الزنزانة بسبب العطش أو الضرب، تكشف أن ما جرى لم يكن استثناءً، بل سياسة متعمّدة لتحطيم الروح البشرية.

سوريا ما بعد الأسد.. والمواجهة المؤجلة مع العدالة

مع دخول فصائل المعارضة إلى دمشق وسقوط النظام، بقيت المقابر الجماعية شاهدًا صامتًا على الفظائع. لكن التحدي الأكبر اليوم، كما يشير التقرير، يكمن في مدى استعداد الحكومة الجديدة لمواجهة هذا الإرث الكارثي، وسط ضغوط دولية متزايدة لفتح تحقيقات جدّية تشمل نبش المقابر، تحليل الحمض النووي، اعتقال الجناة، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب. وحتى الآن، لم يُحسم شكل تلك التحقيقات، ولا مدى مشاركة الهيئات الدولية فيها، ولا ما إذا كانت المحاسبة ستشمل جرائم المعارضة المسلحة أيضًا.

زيارة المعتقل السابق محمد إبراهيم لسجن صيدنايا بعد تحريره كانت رمزية ومؤثرة. في تلك الزنازين التي لطالما ارتجف فيها من البرد والضرب، وقف حرًّا لأول مرة، يشير إلى الموضع الذي تعرّض فيه لأول تعذيب، ويتأمل كيف تحوّل من ضحية إلى شاهد، ومن ناجٍ إلى شاهد إثبات.

في الختام: صيدنايا ليس استثناءً بل نموذجًا

هذا التحقيق يعيد التذكير بأن سجن صيدنايا لم يكن حالة شاذة بل نموذجًا للاستبداد في العالم العربي، حيث تتحوّل المعتقلات إلى مصانع للرعب، وتُدار منظومات التعذيب من أعلى سلطة في الدولة. وبينما سقط نظام الأسد، فإن “صيدنايا” لم يسقط، لأنه ليس مجرد مبنى، بل عقلية أمنية عربية متجذّرة، لا تزال قائمة في كثير من الجمهوريات والدول الملكية على حد سواء.

وختامًا، فإن العبارة التي يرددها السوريون منذ سنوات، “ضاع في صيدنايا”، لم تعد مجازًا، بل توصيف دقيق لمصير عشرات الآلاف. واليوم، وبعد سقوط النظام، بات من الواجب على العالم أن يفتح هذا الملف لا ليبكي عليه، بل ليحاكمه.

#صيدنايا_ليس_الماضي

#جرائم_الأسد

#في_كل_عاصمة_عربية_صيدنايا