كشفت القناة 12 الإسرائيلية عن مداولات متقدمة تجري خلف الكواليس بين الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة وإسرائيل، تتمحور حول مقترح إماراتي لتولي الإدارة المدنية الكاملة لقطاع غزة، في مرحلة ما بعد الحرب. ووفق ما بثّته القناة، فإن هذا المقترح يحظى بدعم إسرائيلي مباشر وتنسيق أمريكي كامل، وقد انتقلت المباحثات بشأنه من مستوى المشاورات الأولية إلى تبادل مسودات اتفاقات بين الأطراف الثلاثة.
وبحسب المصادر، تعرض أبو ظبي تحمل المسؤولية الشاملة عن إدارة الحياة المدنية في قطاع غزة، مدعومة باستثمار مالي ضخم يُقدَّر بمليارات الدولارات، على أن يُضخ جزء كبير من هذه الأموال بشكل فوري. ويقدَّم هذا الدور على أنه إطار “إداري–مدني”، إلا أن تفاصيل الخطة تكشف عن نموذج سيطرة متكامل يتجاوز الإغاثة أو إعادة الإعمار، ليشمل مفاصل الاقتصاد والأمن وسلاسل التوريد داخل القطاع.
وتشير المعطيات إلى أن الخطة المقترحة تضع تجارة غزة وأسواقها بالكامل تحت الإشراف الإماراتي، بما يشمل تنظيم حركة البيع والشراء وإدارة النشاط التجاري. كما تنص على تأمين المراكز اللوجستية ومخازن التوزيع عبر نشر قوات أمن إماراتية مسلّحة، تعمل بالتوازي مع شركات أمن أمريكية خاصة، بما يعكس تصورًا أمنيًا مشددًا لإدارة الشأن المدني. وفي الوقت ذاته، تُلزم الخطة بمرور جميع البضائع الداخلة إلى القطاع عبر إسرائيل، مع الاعتماد على موردين ومقاولين إسرائيليين، ما يرسّخ تبعية اقتصادية مباشرة لإسرائيل في أدق تفاصيل الحياة اليومية في غزة.
وأشارت المصادر إلى دور GHF ضمن الخطة المطروحة، موضحًا أن مراكز التوزيع التابعة لها لن تستمر في عملها الحالي كمراكز لتقديم المساعدات المباشرة للسكان. وبدلًا من ذلك، سيتم تحويل هذه المراكز إلى مراكز لوجستية تُستخدم كنقاط لتخزين وتنظيم البضائع، قبل ضخّها إلى القطاع الخاص داخل غزة. ووفق ما ورد، يهدف هذا التغيير إلى منع تجمع الفلسطينيين عند نقاط التوزيع، وضبط حركة السلع بطريقة مركزية، بما يعكس انتقالًا من نموذج الإغاثة الإنسانية إلى نموذج إدارة اقتصادية وأمنية تتحكم في تدفق المساعدات والسلع داخل القطاع.
ولا تقف الخطة عند حدود الإدارة الاقتصادية والأمنية، بل تشمل، وفق ما نقلته القناة 12، استعداد الإمارات للانخراط في مواجهة المقاومة، وضمان نزع سلاح القطاع، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لإنجاح الدور المدني المقترح. ورغم تأكيد المسؤولين الإسرائيليين أن هذا المسار لا يُغني عن هدف “تفكيك حماس” ونزع سلاح غزة، فإنهم يقدّمون الدور الإماراتي بوصفه أداة مكملة، توفر غطاءً مدنيًا “معتدلًا ومنتجًا” تحت إشراف إقليمي ودولي.
وفي توصيف لافت، نقلت القناة عن مسؤولين إسرائيليين كبار حديثهم عن الخطة بعبارات مباشرة، حيث وصفوها بأنها “استيلاء مدني إماراتي كامل” على قطاع غزة. ويعكس هذا التوصيف طبيعة الدور المطروح، الذي لا يُخفي كونه إعادة هندسة شاملة لإدارة القطاع، تُدار فيها الحياة المدنية تحت مظلة سياسية وأمنية إسرائيلية–أمريكية، وبتمويل وتنفيذ إماراتي.
وتخلص القناة إلى أن الأيام القليلة المقبلة قد تشهد حسمًا للتفاصيل النهائية لهذا الترتيب، في ظل غياب تصور معلن وواضح حول الآلية الفعلية التي ستُفرض بها عملية نزع السلاح، وهو ما يظل، بحسب التقرير نفسه، أحد أكبر علامات الاستفهام المحيطة بالخطة. وبينما يُسوَّق المقترح بوصفه حلًا إداريًا مؤقتًا، تكشف مضامينه عن مشروع وصاية مدنية كاملة، يعيد إنتاج السيطرة على غزة بأدوات مختلفة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول السيادة الفلسطينية ومستقبل القطاع تحت هذا النموذج المفروض من الخارج.