لم تكن الرسائل المتزامنة التي نشرها مسؤولون سعوديون وإماراتيون في 21 يوليو مجرد مجاملة دبلوماسية أو تعبير عابر عن “العلاقات الأخوية”. التوقيت المتطابق تقريبًا، واللغة المنسقة، والدعوة إلى أن يعكس الإعلام “حقيقة” العلاقة بين البلدين، كلها تشير إلى محاولة سياسية واضحة لإغلاق ملف خرج إلى العلن أكثر مما أرادت أبوظبي والرياض. لكن ما بدا في الصورة مصالحة، يكشف في العمق حجم الأزمة؛ فالعلاقات المتينة لا تحتاج عادة إلى حملة إعلامية منسقة لتأكيد أنها متينة.
المنشورات التي صدرت عن وزير الإعلام السعودي سلمان بن يوسف الدوسري، ورئيس المكتب الوطني للإعلام في الإمارات عبد الله بن محمد آل حامد، جاءت بعد أشهر من التوترات والتسريبات والاشتباكات الإعلامية والسياسية. ثم جاءت صورة خالد بن سلمان ومنصور بن زايد، التي نشرها تركي آل الشيخ، لتؤدي الوظيفة نفسها: تقديم مشهد ودي سريع، يطلب من الجمهور أن يصدق أن كل شيء تحت السيطرة. لكن الصورة اللامعة لا تمحو أن الخلافات وصلت إلى ملفات شديدة الحساسية: اليمن، النفط، إيران، إسرائيل، أمن البحر الأحمر، والتنافس الاقتصادي بين الرياض وأبوظبي.
السبب الأهم وراء هذه المصالحة العلنية ليس عودة الثقة، بل إدراك الطرفين أن الانفجار الكامل بينهما سيكون مكلفًا في لحظة إقليمية شديدة الخطورة. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران دخلت شهرها السادس، وأمن الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز يتعرض لضغوط متزايدة، والحوثيون يصعدون تهديداتهم للملاحة، وأسواق الطاقة والتجارة في حالة اضطراب. في هذا السياق، لم يكن أمام الإمارات والسعودية إلا محاولة إظهار حد أدنى من التماسك. لكن هذا التماسك لا يعني أن أسباب الخلاف اختفت، بل يعني فقط أن كلفة إظهارها أصبحت أعلى.
أصل التوتر الأخير يعود بدرجة كبيرة إلى السلوك الإماراتي في اليمن. أبوظبي لم تتصرف هناك كحليف منضبط داخل تحالف تقوده السعودية، بل بنت نفوذًا خاصًا عبر دعم قوى محلية مرتبطة بمشروعها، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا الدعم الإماراتي حوّل اليمن من ساحة يفترض أنها جزء من استراتيجية خليجية مشتركة إلى مساحة تنافس مباشر بين الرياض وأبوظبي. وعندما استهدفت السعودية في ديسمبر 2025 شحنة يُشتبه بأنها أسلحة إماراتية متجهة إلى اليمن، لم يكن ذلك مجرد حادث عسكري، بل رسالة سياسية واضحة: السعودية لم تعد مستعدة للتعامل مع تمدد الإمارات في اليمن كأمر واقع.
المشكلة أن الإمارات اعتادت أن تدخل الملفات الإقليمية بمنطق مزدوج: تشارك في التحالف حين تحتاج الغطاء، ثم تصنع لنفسها وكلاء مستقلين على الأرض حين يتعلق الأمر بالموانئ والسواحل والنفوذ الأمني. في اليمن، كما في غيره، لم تكن أبوظبي تبحث عن استقرار بقدر ما كانت تبحث عن موقع استراتيجي على البحر والممرات التجارية. وهذا هو جوهر الخلاف مع السعودية؛ فالرياض تريد قيادة المشهد، بينما تتحرك الإمارات وكأنها دولة صغيرة تسعى لتعويض حجمها الجغرافي بشبكات نفوذ عسكرية واقتصادية تتجاوز حدودها.
ثم جاء قرار الإمارات الانسحاب من أوبك في 28 أبريل ليضيف طبقة جديدة من التحدي. لم يكن التوقيت عاديًا؛ فالقرار أُعلن في اليوم نفسه الذي كان فيه مسؤولون خليجيون يجتمعون في السعودية لمناقشة الحرب. بهذا المعنى، بدا القرار الإماراتي كأنه رسالة إلى الرياض بقدر ما هو خطوة نفطية. الإمارات أرادت أن تقول إنها لم تعد تقبل بالبقاء داخل إطار تقوده السعودية إذا كان ذلك يقيد طموحها في الإنتاج والنفوذ داخل سوق الطاقة. لكن الخروج من أوبك لا يعكس استقلالًا فقط، بل يكشف أيضًا رغبة أبوظبي في كسر القيادة السعودية داخل واحد من أهم ملفات القوة في الخليج.
هذا المسار النفطي قد يفتح بابًا جديدًا للتوتر. فإذا تحركت الإمارات سريعًا لزيادة إنتاجها بينما تسعى السعودية إلى دعم الأسعار، فإن الخلاف لن يبقى سياسيًا أو إعلاميًا، بل سيتحول إلى صراع مباشر على حصة السوق وسعر البرميل وموقع القيادة داخل الطاقة العالمية. الإمارات تريد أن تتحرر من قيود الرياض، لكنها في الوقت نفسه تريد الحفاظ على خطاب “الأخوة” و“الشراكة”. وهذا التناقض هو ما يجعل خطاب المصالحة هشًا: أبوظبي تريد مزايا التحالف دون أن تلتزم بحدوده.
في ملف إيران، ظهر التباين بشكل أكثر وضوحًا. الإمارات عمّقت علاقاتها الأمنية والدفاعية مع إسرائيل خلال الحرب، بينما اتجهت السعودية إلى تنسيق أوسع مع باكستان ومصر وتركيا في محاولة لإنهاء الأزمة عبر الدبلوماسية. هذا الفرق ليس تفصيلًا. أبوظبي، التي رهنت جزءًا متزايدًا من أمنها بالتطبيع والتحالف مع إسرائيل، وجدت نفسها في موقع أكثر التصاقًا بالمحور الأمريكي الإسرائيلي، بينما حاولت الرياض الظهور بمظهر الطرف الذي يبحث عن مخرج إقليمي أقل انفجارًا. هنا أيضًا تكشف الإمارات نزعتها الخطرة: كلما توترت المنطقة، زادت اعتمادًا على إسرائيل والولايات المتحدة، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الخليجي الأوسع.
هذا الميل الإماراتي نحو إسرائيل ليس هامشيًا، بل أصبح عنصرًا ثابتًا في حسابات أبوظبي. بينما يتراجع الرأي العام العربي والإسلامي عن أي قبول بالتطبيع بسبب الإبادة في غزة، واصلت الإمارات تعميق مساراتها الأمنية مع تل أبيب. لذلك لا تبدو أبوظبي اليوم كطرف يسعى إلى حماية المنطقة، بل كدولة تربط أمنها بمشروع إسرائيلي يزيد اشتعال الإقليم. ثم حين تدفع المنطقة ثمن هذا الاصطفاف، تعود الإمارات للحديث عن التهدئة والوحدة الخليجية.
التنافس الاقتصادي بين البلدين لا يقل أهمية. منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، بدأت الرياض تدخل قطاعات كانت الإمارات تعتبرها مجال نفوذ شبه حصري: السياحة، الضيافة، الترفيه، الطيران، وجذب الشركات متعددة الجنسيات. برنامج المقرات الإقليمية السعودي، الذي دفع الشركات الكبرى إلى نقل مقارها إلى المملكة إذا أرادت التعامل مع الجهات الحكومية، كان ضربة واضحة لموقع دبي كمركز إقليمي للشركات. إنشاء “طيران الرياض” بقيادة توني دوغلاس، الرئيس السابق للاتحاد للطيران، أرسل رسالة أخرى: السعودية لم تعد تترك للإمارات تفوقها القديم في الطيران والسياحة والخدمات.
هنا تظهر حساسية أبوظبي ودبي. الإمارات بنت مكانتها على السبق: موانئ، مطارات، مناطق حرة، بنوك، شركات، سياحة، عقارات. لكن السعودية بدأت تدخل المجالات نفسها بحجم أكبر وسوق أوسع وموارد ضخمة. لذلك لم تعد المنافسة بين البلدين مجرد اختلاف في السياسات، بل صراع على النموذج الاقتصادي نفسه. الرياض لم تعد تقبل بأن تبقى الشركات والأموال والسياحة الإقليمية متمركزة في دبي، وأبوظبي لا تريد الاعتراف بأن زمن الاحتكار الإماراتي بدأ يتآكل.
مع ذلك، لم يصل التوتر إلى قطيعة شاملة كالتي حدثت مع قطر في 2017. وهذا لا يعني أن الخلاف بسيط، بل يعني أن الطرفين تعلما من كلفة الانفجارات الخليجية المفتوحة. السعودية والإمارات تعرفان أن القطيعة الكاملة ستربك الأسواق، وتضعف الموقف الخليجي في لحظة حرب، وتمنح خصومهما مساحة أكبر للمناورة. لذلك بقيت قنوات الاتصال قائمة، خصوصًا عبر شخصيات مثل خالد بن سلمان وطحنون بن زايد. لكن إدارة الخلاف لا تعني حله. إنها فقط تمنع تحوله إلى أزمة معلنة بلا سقف.
اللافت أن الإمارات كانت غائبة عن التحالف البحري الذي أعلنت عنه السعودية لحماية الملاحة في البحر الأحمر بمشاركة 14 دولة، في مواجهة تصاعد هجمات الحوثيين على السفن. هذا الغياب له دلالة سياسية واضحة. فلو كانت العلاقات في أفضل حالاتها كما تقول بيانات “الأخوة”، لما غابت أبوظبي عن ملف بحري بهذا الحجم، وهي التي تقدم نفسها أصلًا كقوة موانئ وملاحة وتجارة عالمية. الغياب يكشف أن التنسيق الخليجي لا يزال مثقوبًا، وأن الثقة لم تُرمم بالكامل.
وهنا تكمن مشكلة البيانات المتزامنة: هي تحاول أن تطلب من الإعلام تجاهل الوقائع، لا تفسيرها. تطلب الحديث عن التاريخ المشترك والقيادات الحكيمة، بينما الخلافات العملية قائمة في اليمن والنفط وإيران والبحر الأحمر والتنافس الاقتصادي. المطلوب ليس إعلامًا “مسؤولًا”، بل إعلامًا صامتًا عن الأسئلة المحرجة: لماذا تدعم الإمارات قوى تناقض حسابات السعودية في اليمن؟ لماذا خرجت من أوبك في توقيت حساس؟ لماذا تعمّق تعاونها مع إسرائيل بينما تحاول الرياض بناء مسارات إقليمية مختلفة؟ ولماذا تغيب عن تحالفات بحرية تقودها السعودية إذا كان التنسيق كاملًا؟
الإمارات، في هذه الأزمة، تبدو الطرف الأكثر حاجة إلى تجميل المشهد. فهي دخلت ملفات المنطقة بأكبر من حجمها: تدخلت في اليمن، وسعت نفوذها البحري، نافست السعودية اقتصاديًا، خرجت من أوبك، وعمّقت التطبيع الأمني مع إسرائيل. لكنها عندما تراكمت نتائج هذه السياسات، احتاجت إلى صورة ودية ومنشورات متزامنة وعبارات عن المصير المشترك. أبوظبي تريد أن تظهر كحليف، لكنها تتصرف كمنافس. تريد الاستفادة من المظلة الخليجية، لكنها تعمل على بناء مسارات منفصلة. تريد أن تنافس الرياض، لكنها لا تريد دفع ثمن القطيعة معها.
المصالحة العلنية، إذن، ليست نهاية الخلاف السعودي الإماراتي، بل محاولة لتجميده. هناك ملفات لم تُحل، بل تم ترحيلها: مستقبل اليمن، موقع الإمارات خارج أوبك، التنافس على الشركات والطيران والسياحة، العلاقة مع إسرائيل، وأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز. وكل ملف من هذه الملفات قادر على إعادة التوتر إلى الواجهة بمجرد أن تتغير الظروف أو ترتفع كلفة الصمت.
الخلاصة أن ما جرى في 21 يوليو لم يكن إعلان وحدة بقدر ما كان محاولة لإدارة أزمة صورة. السعودية والإمارات لم تتصالحا لأن الخلاف انتهى، بل لأن الحرب والتهديدات الإقليمية جعلت استمرار العلن مكلفًا. أما أبوظبي، التي تحاول تقديم نفسها كحليف مسؤول، فتبقى في قلب المشكلة: دولة صغيرة ذات طموح متضخم، تنافس السعودية في الاقتصاد والطاقة، تناور في اليمن، تقترب من إسرائيل أمنيًا، ثم تطلب من الإعلام أن يصدق أن كل شيء مجرد “أخوة” و“تنسيق”. الشرخ لم يُغلق. فقط وُضع فوقه غلاف بروتوكولي مؤقت.