كشف حساب «وزير إماراتي بدون حقيبة»، الذي ينشر معلومات منسوبة إلى مصادر خاصة بشأن دوائر الحكم في أبوظبي، عن مزاعم بأن محمد بن زايد طلب قبل نحو شهر من الجانب الإسرائيلي تصعيد الهجمات الإعلامية والتهديدات الموجهة إلى قطر، في إطار محاولة للضغط على الدوحة ودفعها إلى التخلي عن جزء من استقلال قرارها الإقليمي والاقتراب من المحور الإماراتي.

وبحسب المصدر، تقوم الفكرة على معادلة شديدة الخطورة: ترفع إسرائيل مستوى التهديد ضد قطر، ثم تقدم أبوظبي نفسها لاحقًا باعتبارها الطرف الخليجي الأكثر قدرة على التواصل مع تل أبيب وخفض مستوى الخطر.

ولا يوجد حتى الآن، في المصادر العلنية التي أمكن التحقق منها، دليل مستقل يثبت أن بن زايد أصدر بالفعل طلبًا من هذا النوع إلى إسرائيل؛ لذلك تبقى هذه الجزئية معلومة منسوبة إلى المصدر الإماراتي. لكن تطورات علنية أخرى تتقاطع مع أجزاء من الصورة التي يقدمها.

تصعيد إسرائيلي ضد قطر

بحسب المصدر، أعقب الطلب الإماراتي المزعوم تصاعد ملحوظ في الخطاب الإسرائيلي تجاه الدوحة، شارك فيه سياسيون من الحكومة والمعارضة.

ويضع المصدر في مقدمة هؤلاء رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، الذي صعّد خطابه ضد قطر واتهمها بتمويل الإرهاب وبناء شبكات نفوذ دولية، ووصل إلى التعهد باعتبارها «دولة عدو» حال عودته إلى رئاسة الحكومة.

ثم عاد بينيت، وفق المصدر، إلى رفع السقف بصورة أكبر، معتبرًا أن قطر باتت تمثل في المرحلة الحالية خطرًا على إسرائيل يفوق إيران.

وتكمن أهمية تصريحات بينيت في أنها لا تصدر عن شخصية هامشية، بل عن رئيس حكومة سابق يسعى مجددًا إلى السلطة؛ وبالتالي فإن تحويل العداء لقطر إلى جزء من برنامجه السياسي قد يعني محاولة نقل المواجهة معها من خلاف إعلامي إلى سياسة إسرائيلية أكثر اتساعًا.

لكن الربط بين تصريحات بينيت وبين طلب مباشر من أبوظبي يظل، في غياب أدلة مستقلة منشورة، استنتاجًا يقدمه المصدر وليس واقعة مثبتة علنًا.

أبوظبي تهاجم قطر سرًا وتتقرب منها علنًا؟

المفارقة التي يركز عليها المصدر أن هذا التصعيد المفترض يجري بالتزامن مع تحسن كبير ومعلن في العلاقات الإماراتية القطرية.

ففي 6 مايو/أيار الماضي استضافت أبوظبي الدورة السابعة للجنة العليا المشتركة الإماراتية القطرية برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني ووزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد. وأعلن الجانبان تعزيز التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والتعليم والنقل والأمن الغذائي ومجالات أخرى.

واللافت أن البيان الختامي تحدث صراحة عن «وحدة في المصير» و«تكامل في المصالح» و«توافق في الرؤى والتوجهات»، في مؤشر على المسافة التي قطعتها العلاقات منذ أزمة حصار قطر عام 2017.

وهنا تحديدًا يبني المصدر اتهامه: أبوظبي تظهر للدوحة وجه الشريك الخليجي الحريص على «وحدة المصير»، بينما تعمل، وفق روايته، من خلف الستار على استخدام علاقاتها الإسرائيلية لزيادة الضغط عليها.

قطر.. العقدة التي لم يستطع بن زايد إخضاعها

وفق هذه القراءة، تمثل قطر مشكلة خاصة للمشروع الإقليمي الإماراتي لأنها أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة دولة خليجية صغيرة جغرافيًا على بناء سياسة خارجية مستقلة.

فالدوحة بنت تحالفًا استراتيجيًا مع تركيا، واحتفظت بعلاقة أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، وأبقت قنواتها مفتوحة مع إيران، وطورت نفوذًا إعلاميًا ودبلوماسيًا واسعًا، وأصبحت وسيطًا تحتاج إليه واشنطن في ملفات إقليمية ودولية معقدة.

والأهم أن حصار 2017 لم ينجح في إخضاعها.

بل دفع قطر إلى تنويع تحالفاتها وتقوية علاقاتها بتركيا وإيران وتعزيز استقلالها الاقتصادي والسياسي، قبل انتهاء الأزمة الخليجية بالمصالحة.

ومن هنا، وفق المصدر، تعلم بن زايد من فشل التجربة الأولى: بدل حصار قطر مباشرة، يمكن جعل كلفة استقلالها السياسي أعلى.

الخطة المزعومة: إسرائيل تخيف.. وأبوظبي تعرض الوساطة

تقوم الرواية التي يقدمها المصدر على تصور أكثر تعقيدًا من حصار 2017.

فإذا شعرت القيادة القطرية بأن التهديد الإسرائيلي أصبح مباشرًا ومتزايدًا، ستصبح الحاجة إلى قنوات قادرة على التأثير في تل أبيب أكثر أهمية.

وهنا تمتلك الإمارات ورقة لا تمتلكها غالبية الدول الخليجية بالمستوى نفسه: علاقة تطبيع عميقة مع إسرائيل تشمل السياسة والأمن والتكنولوجيا والاستثمار.

وبحسب هذه القراءة، يريد بن زايد تحويل علاقته بإسرائيل من عبء أخلاقي وسياسي أمام الشعوب العربية إلى مصدر قوة داخل النظام الخليجي نفسه.

أي أن الرسالة التي يراد إيصالها إلى الدوحة تصبح: أبوظبي تستطيع تخفيف الخطر الإسرائيلي لأن لديها مفاتيح تل أبيب، وبالتالي فإن الاقتراب منها أقل تكلفة من الاستمرار في سياسة مستقلة عنها.

السعودية وعُمان خارج المشروع الإماراتي

ويضع المصدر هذه التحركات ضمن صراع أوسع على شكل الخليج بعد التحولات الإقليمية الأخيرة.

فالسعودية، بحسب روايته، لم تعد تتحرك وفق المشروع الإماراتي، بل بدأت في بناء شبكة علاقات وتحالفات إقليمية خاصة بها تختلف في عدد من الملفات عن رؤية أبوظبي.

أما عُمان فواصلت سياستها التقليدية القائمة على الاستقلال والوساطة وعدم الانخراط الكامل في المحاور.

في المقابل، تُعد البحرين الأقرب إلى الإمارات في ملفات إقليمية متعددة.

وتبقى قطر والكويت، وفق هذه الرؤية، دولتين تحرصان على الاحتفاظ بهامش استقلال سياسي لا يسمح لأبوظبي بالتحول إلى مركز القرار الخليجي.

من حصار قطر إلى محاولة احتواء قطر

إذا صحت المعلومات التي ينقلها المصدر، فإن التغيير الحقيقي ليس في هدف بن زايد، وإنما في الأدوات.

عام 2017 كانت الأداة الحصار والمواجهة المباشرة.

أما اليوم فالمعادلة المفترضة أكثر دهاءً: تحسين العلاقات مع الدوحة علنًا، ووقف الحملات الإعلامية الإماراتية المباشرة، وبناء المصالح الاقتصادية معها، وفي الوقت نفسه الاستفادة من التهديد الإسرائيلي لجعل قطر تشعر بأن وجود علاقة جيدة مع أبوظبي ضرورة أمنية.

وبذلك تتحول إسرائيل إلى أداة ضغط غير مباشرة داخل البيت الخليجي.

أخطر ما في الرواية: تحويل إسرائيل إلى «فزاعة خليجية»

إذا ثبتت هذه المزاعم، فالمسألة تتجاوز خلافًا إماراتيًا قطريًا إلى سابقة شديدة الخطورة: أن تستعين دولة خليجية بإسرائيل للضغط على دولة خليجية أخرى ثم تعرض نفسها وسيطًا للحماية من التهديد نفسه.

وهذا سيكون انتقالًا بالتطبيع إلى مستوى مختلف تمامًا.

فبدل أن تزعم أبوظبي أن علاقتها بإسرائيل تحمي الخليج من الأخطار الخارجية، تصبح العلاقة نفسها، وفق هذه الرواية، أداة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الخليج.

وهنا تصبح خلاصة الاتهام الذي يطرحه المصدر أكثر وضوحًا:

بن زايد لا يريد فقط أن تكون الإمارات أكثر دولة خليجية قربًا من إسرائيل؛ بل يريد، وفق هذه الرواية، تحويل هذا القرب إلى مصدر نفوذ على بقية دول الخليج: تخافون من إسرائيل؟ أبوظبي تعرف كيف تتحدث معها. تريدون خفض التهديد؟ اقتربوا من أبوظبي.

وإذا ظهرت أدلة مستقلة تؤكد أن طلب التصعيد الإسرائيلي ضد قطر صدر فعلًا من بن زايد، فسيكون ذلك أخطر بكثير من مجرد مناورة سياسية؛ لأنه سيعني أن أبوظبي تستخدم الاحتلال الإسرائيلي في صراع النفوذ الخليجي، وأنها مستعدة لزيادة الخطر على دولة عربية شقيقة كي تعود لاحقًا وتبيع لها «الحماية» من الخطر الذي ساهمت في صناعته.