لوّحت مصر لأول مرة صراحة بإمكانية إعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد الموقعة مع إسرائيل، في خطوة تصعيدية تحذيرية ضد خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تهدف إلى إفراغ قطاع غزة من سكانه.

وكشفت صحيفة واشنطن بوست أن القاهرة تقود حملة دبلوماسية مكثفة، محذرة من أن فرض تهجير قسري على الفلسطينيين سيضع معاهدة السلام في مهب الريح، وقد يفتح الباب أمام توترات غير مسبوقة في المنطقة.

وفقًا لمسؤولين مصريين، تم إيصال هذا التحذير بشكل مباشر إلى كل من واشنطن وتل أبيب، حيث أكدت القاهرة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تم تنفيذ أي مخطط لترحيل سكان غزة قسرًا. وشدد المسؤولون على أن مصر تعتبر هذا السيناريو “خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه”، وأن المساس بالوضع الديموغرافي لغزة يهدد استقرار مصر والمنطقة بأكملها.

ورغم المعارضة الدولية الواسعة، فإن إسرائيل بدأت بالفعل استعداداتها لتنفيذ عمليات ترحيل الفلسطينيين، فيما تحاول إدارة ترامب احتواء ردود الفعل السلبية، زاعمة أن عمليات التهجير “ستكون مؤقتة”، لكن دون تقديم أي ضمانات واضحة بشأن العودة.

في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترامب إن الفلسطينيين سيتم “إعادة توطينهم في مجتمعات أكثر أمنًا وحداثة، مع منازل جديدة وعصرية”، وبعد ذلك ستتولى الولايات المتحدة مسؤولية إعادة إعمار غزة.

وهو ما قاله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي زعم أن عمليات الترحيل ستكون “مؤقتة”، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين سيعيشون “في أماكن أخرى بشكل مؤقت” أثناء إعادة إعمار القطاع، دون توضيح ما إذا كان لهم الحق في العودة لاحقًا.

وعند إعلانه عن الخطة، صرّح ترامب بأنه يريد “إعادة توطين معظم سكان غزة بشكل دائم في دول أخرى”، ومن ثم إعادة إعمار القطاع ليصبح “ريفييرا الشرق الأوسط”، مما يعكس توجهه لإعادة رسم خريطة غزة بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، دون مراعاة لحقوق الفلسطينيين أو إرادتهم.

وأكدت الصحيفة أن الفلسطينيين رفضوا خطة ترامب بشكل قاطع، خشية أن يكون هذا التهجير دائمًا، حيث لن تسمح إسرائيل بعودة اللاجئين مرة أخرى. فيما وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى المشروع بأنه “تطهير عرقي”، معتبرة أن تهجير الفلسطينيين بالقوة انتهاك صارخ للقانون الدولي، خاصة وأنه يتم تبريره تحت مزاعم “إعادة الإعمار” و”الأمن”.

وكشفت الصحيفة أن السعودية، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، رفضت تمامًا فكرة نقل الفلسطينيين من غزة، وأكدت أنها لن تقوم بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل – وهو أحد الأهداف الرئيسية لإدارة ترامب – دون التوصل إلى اتفاق يقضي بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة تشمل قطاع غزة.

على الصعيد الإسرائيلي، أعلن وزير الحرب في حكومة الاحتلال، إسرائيل كاتز، يوم الخميس أنه أصدر أوامر للجيش الإسرائيلي بالاستعداد لترحيل الفلسطينيين من غزة عبر المعابر البرية، إلى جانب توفير ترتيبات خاصة لخروجهم عبر البحر والجو. لكن رغم هذه التصريحات، لم يتم رصد أي استعدادات ميدانية تدل على بدء تنفيذ الخطة، مما يعكس الغموض الذي يحيط بآلياتها الحقيقية.

لم يكن الموقف المصري معزولًا، حيث استضافت القاهرة اجتماعًا دبلوماسيًا جمع الأردن، السعودية، قطر، والإمارات، خرج بموقف عربي موحّد ضد تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية. ووفقًا لمسؤولين مصريين، فإن القاهرة مصممة على منع تنفيذ هذا المخطط بكل الوسائل الممكنة، حيث تم إبلاغ البنتاغون، وزارة الخارجية الأمريكية، وأعضاء الكونغرس، وكذلك بريطانيا، فرنسا، وألمانيا، بأن أي محاولة لترحيل الفلسطينيين ستؤدي إلى تصعيد خطير في المنطقة.

أكدت الصحيفة أن القاهرة بعثت برسائل مباشرة إلى إسرائيل، مفادها أن تنفيذ هذا المخطط قد يؤدي إلى إعادة النظر في اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، والتي ظلت قائمة منذ عام 1979. ويرى المسؤولون المصريون أن تهجير الفلسطينيين من غزة هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن أي محاولة لفرض الأمر الواقع قد تفتح الباب أمام توترات غير مسبوقة في المنطقة.

كما أكد دبلوماسي غربي في القاهرة أن مصر تعتبر خطة التهجير تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، مشيرًا إلى أن القاهرة رفضت بالفعل مقترحات مشابهة من إدارة جو بايدن وبعض الحكومات الأوروبية، لكنها تواجه الآن مخططًا معلنًا من قبل ترامب ونتنياهو، وهو ما يستدعي موقفًا أكثر حزمًا.

أكدت الصحيفة أن المسؤولين المصريين شددوا على أنه لا حاجة لتهجير الفلسطينيين من أجل إعادة إعمار غزة، مشيرين إلى أن الحل الوحيد المقبول هو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة تشمل غزة، الضفة الغربية، والقدس الشرقية.

كما نقلت الصحيفة عن افتتاحية صحيفة الأهرام المصرية الرسمية تحذيرها من أن “استقلال الدول العربية، ووحدة شعوبها وسلامة أراضيها في خطر كبير”، في إشارة إلى المخاوف من إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على حساب الفلسطينيين.

مع تصاعد الرفض الدولي والعربي، يواجه المشروع الإسرائيلي الأمريكي عقبات دبلوماسية ضخمة تهدد فرص نجاحه. وتحاول تل أبيب وواشنطن الالتفاف على المعارضة الدولية، لكن موقف مصر الحازم وتحركاتها الدبلوماسية المكثفة قد يجعل تنفيذ المخطط أمرًا بالغ الصعوبة.

وفي ظل كل هذه التطورات، يبقى السؤال المطروح: هل تتراجع إدارة ترامب أمام هذا الرفض العالمي، أم أنها ستحاول فرض الخطة بالقوة؟

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا