رغم التراجع العلني والملحوظ مؤخرا من الإدارة الأمريكية عن فكرة تهجير سكان قطاع غزة إلى الخارج، وصدور تصريحات رسمية أمريكية تنفي بشكل قاطع دعم هذا الخيار، لا تزال الإمارات تُصرّ على إبقاء هذا الملف حيًا وتغذيه بتحركات سرية وضغوط إقليمية، في محاولة لإعادة طرحه على الطاولة من جديد.

التراجع الأمريكي.. هل هو نهائي؟

في الأسابيع الأخيرة، بدا واضحًا أن الإدارة الأمريكية بدأت تنأى بنفسها عن الخطاب المتطرف الذي كانت تتبناه خلال الأشهر الأولى من الحرب على غزة، حين روّجت دوائر قريبة من الرئيس ترامب لفكرة إفراغ القطاع من سكانه، ونقلهم إلى سيناء أو دول أخرى تحت ذرائع “الضرورة الإنسانية”.

لكن مع التصعيد في الداخل الأمريكي، وضغوط الرأي العام العالمي، ومعارضة أطراف عربية وغربية لهذه الفكرة، بدأت التصريحات الأمريكية تتراجع تدريجيًا، حتى صرّح ترامب نفسه بأن “لا أحد سيُطرد من غزة”، وأن الحل يجب أن يكون بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين، في تلميح إلى مصر كطرف رئيسي.

ومع هذا التراجع المعلن، بدأ يُعتقد أن ملف التهجير قد دفن إلى الأبد. لكن الواقع خلف الكواليس يبدو مختلفًا تمامًا، وخاصة بعد الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الإماراتي محمد بن زايد إلى القاهرة هذا الأسبوع، حاملاً معه ملفات أمنية شديدة الحساسية، والتي تلت زيارة طحنون بن زايد للبيت الأبيض.

زيارة بن زايد للقاهرة.. عرض أمريكي بثوب إماراتي

بحسب مصادر أمنية مطلعة تحدثت لوسائل إعلام عربية، فإن زيارة بن زايد إلى القاهرة لم تكن بروتوكولية أو اقتصادية فقط، رغم ما حملته من إعلانات عن صفقات استثمارية جديدة في مجالات النقل والطاقة، وبيع أصول استراتيجية مصرية جديدة للإمارات، مثل موانئ، وأراضٍ على السواحل الشمالية، ومنشآت سياحية كبرى.

لكن الملف الأهم الذي حمله بن زايد كان ملف غزة، وتحديدًا إعادة إحياء خطة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، التي سبق وأن طرحتها واشنطن قبل شهور، وواجهت رفضًا مصريًا معلنًا.

وفقًا للمصادر، نقل بن زايد رسالة أمريكية غير معلنة مفادها أن واشنطن لن تواصل الضغط السياسي على إسرائيل لوقف الحرب ما لم يوجد حل جذري لـ”مشكلة غزة”، كما أن التهجير ما يزال مطروحًا على الطاولة، ولكن دون إعلان رسمي، وعلى مصر أن “تفكر في المدى البعيد”.

في حال رفض مصر، فإن الإدارة الأمريكية تفكر في بدائل، من بينها دول في أفريقيا أو الخليج، لكنها ترى أن “الخيار المصري” هو الأكثر منطقية وسرعة، ولذلك نقل بن زايد للقاهرة أن استمرار الرفض المصري لن يكون دون ثمن في محاولة لابتزاز النظام المصري لثنيه عن موقفه وحلحلة الحوار معه إلى منطقة يمكن التقدم منها لتنفيذ المخطط تدريجيا.

النظام الإماراتي .. عرّاب التهجير

ليست هذه المرة الأولى التي تلعب فيها الإمارات دورًا كهذا، فأبوظبي أصبحت القناة الخلفية لتمرير المشاريع الإسرائيلية والأمريكية المشبوهة في المنطقة، مستفيدة من شبكة علاقاتها الواسعة مع النظم العربية الحليفة لواشنطن، وعلى رأسها مصر.

وفي هذا الملف تحديدًا، تبدو الإمارات مصممة على تهيئة الأرضية لتطبيق المشروع الإسرائيلي-الأمريكي بإفراغ غزة من سكانها، ليس فقط لتوفير “حل أمني” لإسرائيل، بل أيضًا لضمان عقود إعادة الإعمار والاستثمارات لاحقًا في القطاع المُفرغ.

وبحسب التقارير، فإن بن زايد عرض على السيسي مقابلًا اقتصاديًا كبيرًا لقبول إعادة التفاوض حول الملف، يتضمن استثمارات إضافية بمليارات الدولارات في البنية التحتية المصرية، ضمن صفقات لشراء أصول استراتيجية جديدة تشمل قطاعات النقل والطاقة، وضغط أمريكي لصالح القاهرة في ملفات صندوق النقد والمؤسسات الدولية.

الرفض المصري.. ثابت أم قابل للتآكل؟

حتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن مصر لا تزال متمسكة بموقفها الرافض لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين من غزة على أراضيها. فقد أكد مسؤولون أمنيون وسياسيون في أكثر من مناسبة أن أي تهجير للفلسطينيين إلى سيناء يُعد تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وخطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

لكن الضغوط الاقتصادية الهائلة التي تواجهها القاهرة، وتزايد اعتمادها على الدعم المالي الخليجي، يطرح تساؤلات حول مدى صمود هذا الموقف في حال رُبط بالدعم الأمريكي والإماراتي الحيوي للنظام المصري.

وهنا يكمن جوهر الخطر: هل تُجبَر مصر لاحقًا على تعديل موقفها تحت ضغط مالي ودبلوماسي؟ وهل نكون أمام سيناريو يتم فيه التهجير تدريجيًا، عبر اتفاقات مبهمة تحت غطاء “الحلول الإنسانية”؟

من “رأس الحكمة” إلى غزة.. الصفقة الكبرى؟

ما حدث في ملف بيع منطقة “رأس الحكمة” للإمارات لم يكن إلا المرحلة الأولى من “صفقة أكبر”، تشمل ملفات سياسية حساسة، على رأسها التعاطي مع غزة.

فكما أن مصر فتحت أبوابها أمام استثمارات غير مشروطة في الشمال والشرق، يُخشى أن يتم ربط هذه الصفقات لاحقًا بتسهيلات على الأرض في سيناء، تحت عنوان “المشاريع التنموية والإنسانية” للفلسطينيين، في حين أن الحقيقة ستكون تهجيرًا ناعمًا وخطيرًا.

على المصريين أن ينتبهوا قبل فوات الأوان

ما يدور اليوم خلف الكواليس أخطر من مجرد مفاوضات استثمارية أو عروض سياسية، إنه إعادة إحياء لمخطط تهجير الفلسطينيين من غزة، بثوب عربي وتمويل وإدارة إماراتية، وتوجيه أمريكي-صهيوني.

وإذا لم تُعلن القاهرة رفضًا حاسمًا لهذا المخطط – مرة أخرى وبشكل واضح – فإن أي صمت أو مراوغة قد يُفسَّر دوليًا على أنه موافقة ضمنية.

إن تهجير الفلسطينيين من أرضهم هو جريمة لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، ومن يشارك فيها، مهما كان الثمن، سيسقط في نظر شعبه أولًا، وفي سجل التاريخ دومًا.