تحولت مصفاة الزاوية، أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا، إلى هدف متكرر لهجمات بالطائرات المسيّرة، بعدما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط تعرضها لخمسة استهدافات منذ الأحد 9 أغسطس/آب، في تصعيد غير مسبوق يضع واحدة من أهم منشآت الطاقة الليبية في قلب الصراع الأمني غرب البلاد.

وفي أحدث الهجمات، أصابت طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات سقف خزان الديزل رقم «4/4»، واخترقته قبل اندلاع حريق، تمكنت فرق الطوارئ والسلامة من السيطرة عليه سريعًا. وجاء الهجوم بعد استئناف عمليات المصفاة التي تعطلت جزئيًا نتيجة الضربات السابقة.

وأكدت المؤسسة الوطنية للنفط أن إمدادات الوقود لم تتأثر حتى الآن، وأن عمليات التوزيع إلى محطات الوقود مستمرة بالكميات المعتادة، مستفيدة من المخزون المتاح وشحنات الوقود البديلة. لكنها حذرت من أنها قد تضطر إلى وقف تشغيل المصفاة بالكامل إذا استمرت الهجمات.

لماذا مصفاة الزاوية تحديدًا؟

تكمن خطورة الهجمات في أهمية المنشأة نفسها؛ فمصفاة الزاوية تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يوميًا، وترتبط بحقل الشرارة، أحد أكبر حقول النفط الليبية بطاقة إنتاج تقارب 300 ألف برميل يوميًا، ما يجعل المنطقة عقدة أساسية في منظومة الطاقة الليبية.

ولذلك فإن تكرار الاستهداف خمس مرات خلال أيام يصعب التعامل معه باعتباره حادثًا عابرًا. فالضربات تبدو موجهة إلى منشآت التخزين والطاقة والبنية التحتية، بما يسمح بإحداث خسائر اقتصادية كبيرة حتى من دون تدمير وحدات التكرير نفسها.

وأدى أحد الهجمات السابقة إلى اشتعال خزان يحتوي نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين وانهياره، فيما أعلنت المؤسسة حالة الاستنفار القصوى للسيطرة على الحرائق.

الهجمات تتوسع خارج المصفاة

والتصعيد لم يعد محصورًا داخل منشأة النفط. ففي 12 أغسطس تعرضت محطة جنوب الزاوية الكهربائية لهجوم أدى إلى حريق وانقطاع واسع للكهرباء في أجزاء من المدينة، ودفع شركة GE الأميركية إلى تعليق أعمالها وسحب موظفيها من محطة كهرباء الزاوية. وبات أكثر من 700 ميغاواط من قدرة المحطة البالغة 1300 ميغاواط خارج الخدمة.

وهذا التوسع يغيّر طبيعة الأزمة: لم نعد أمام محاولة استهداف خزان نفطي منفرد، وإنما أمام سلسلة ضربات تطاول النفط والكهرباء والبنية التحتية الحيوية في مدينة واحدة.

من يقصف الزاوية؟

حتى الآن، لم تتبنَّ أي جهة الهجمات رسميًا، ولم تعلن السلطات الليبية دليلًا حاسمًا يحدد الجهة التي تشغل المسيّرات. وهذه نقطة يجب الحفاظ عليها؛ فاتهام طرف بعينه في هذه المرحلة سيكون سابقًا للأدلة المنشورة.

لكن الهجمات تأتي وسط توتر أمني وسياسي حاد في غرب ليبيا، ولا سيما بين حكومة عبد الحميد الدبيبة وقوى مسلحة محلية في الزاوية. وأشارت وكالة أسوشيتد برس إلى التوتر مع القوة المحلية المرتبطة بمحمد بحرون، المعروف بـ«الفار»، في سياق الصراع على النفوذ داخل المدينة.

وهذا يجعل السؤال المطروح ليس فقط «من أطلق المسيّرات؟»، بل أيضًا: هل تُستخدم منشآت الطاقة أداةً لتصفية صراع داخلي على السيطرة على الزاوية؟

ضرب النفط يعني ضرب الدولة

المشكلة أن مصفاة الزاوية ليست ملكًا لفصيل سياسي أو عسكري. أي توقف طويل فيها سيدفع ثمنه الاقتصاد الليبي والمواطنون، سواء عبر اضطراب الوقود أو تراجع الإيرادات أو زيادة مخاطر الاستثمار في قطاع النفط.

وقد كانت ليبيا قد رفعت إنتاجها النفطي إلى مستويات هي الأعلى منذ سنوات، في محاولة لاستعادة الاستقرار وجذب الاستثمارات الأجنبية، لكن تحويل المنشآت الحيوية إلى ساحات مواجهة يهدد بتقويض هذه المكاسب سريعًا.

كما أن انسحاب موظفي شركة دولية مثل GE بسبب الوضع الأمني يقدم مؤشرًا واضحًا على أن كلفة الهجمات بدأت تتجاوز الأضرار المادية المباشرة إلى سمعة ليبيا الاستثمارية وقدرة الشركات الأجنبية على مواصلة العمل.

خمسة هجمات ليست رسالة عابرة

الاستهداف المتكرر خلال فترة قصيرة يوحي بأن هناك من يريد إبقاء الزاوية ومرافقها الاستراتيجية تحت الضغط، سواء بهدف انتزاع نفوذ سياسي أو عسكري، أو تعطيل خصومه، أو فرض معادلات جديدة على الأرض.

لكن الفرضيات لا تزال أكثر من الأدلة، وهو ما يجعل التحقيق المستقل وتحديد مصدر الطائرات ومساراتها وطبيعة الذخائر المستخدمة ضروريًا قبل تبني رواية نهائية.

المؤكد حتى الآن أن ما يجري لم يعد «حريقًا في مصفاة»: خمس هجمات بالمسيّرات، ثم استهداف الكهرباء وانسحاب موظفي شركة أجنبية، كلها تشير إلى انتقال الزاوية إلى مرحلة أخطر تُستخدم فيها البنية التحتية الليبية كساحة للصراع. وإذا استمر التصعيد، فقد لا يكون السؤال متى تُستهدف المصفاة مرة أخرى، بل متى تضطر ليبيا إلى إيقاف واحدة من أهم منشآت طاقتها بالكامل.