شهدت العاصمتان الألمانية والفرنسية، برلين وباريس، خلال الأيام الماضية، موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية الغاضبة، تنديدًا بالجرائم الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، ورفضًا للدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه حكومات غربية للاحتلال، في وقت تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية بشكل غير مسبوق.
هذه التحركات تعكس اتساع رقعة التضامن الشعبي مع الفلسطينيين داخل المجتمعات الأوروبية، وتكشف في الوقت ذاته عن فجوة متزايدة بين المواقف الرسمية والرأي العام، الذي بات يرى في الصمت الغربي شكلًا من أشكال التواطؤ مع جرائم الحرب.
![]()
برلين.. غضب الشارع في مواجهة الدعم الرسمي لإسرائيل
في العاصمة الألمانية برلين، خرج مئات المتظاهرين في حي فيدينغ، وساروا باتجاه ساحة ليوبولد، رافعين شعارات تطالب بوقف الإبادة الجماعية في غزة، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه بحق المدنيين.
وردد المشاركون هتافات تؤكد دعمهم لحق الفلسطينيين في الحياة والحرية، ورفضهم للسياسات الألمانية التي تواصل تصدير السلاح إلى إسرائيل رغم توثيق منظمات دولية لجرائم القصف والتجويع والحصار.
ورفع المحتجون لافتات تنتقد بشكل مباشر الحكومة الألمانية، معتبرين أن دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل يتناقض مع القيم التي تدّعي الدفاع عنها، وعلى رأسها حقوق الإنسان والقانون الدولي.
غير أن التظاهرة قوبلت بإجراءات أمنية مشددة، حيث تدخلت الشرطة لفض التجمع في ساحة ليوبولد، واعتقلت عددًا من المشاركين، في مشهد يعكس التضييق المتزايد على الأصوات المنتقدة للاحتلال داخل ألمانيا.
ويرى ناشطون أن هذه الإجراءات تهدف إلى كبح تصاعد التضامن الشعبي، ومنع تحول الاحتجاجات إلى حركة ضغط سياسية واسعة.
باريس.. تضامن عابر للقضايا ومواجهة سياسات الكيل بمكيالين
في باريس، لبّى مئات المتظاهرين نداء جمعيات ومنظمات حقوقية، وشاركوا في مظاهرة واسعة للتضامن مع الفلسطينيين، إلى جانب شعوب أخرى تتعرض للظلم والقمع، مثل السودان وفنزويلا.
ورفع المشاركون شعارات تدعو إلى مقاطعة إسرائيل، ووقف كل أشكال التعاون معها، مؤكدين أن الجرائم المرتكبة في غزة لا يمكن فصلها عن منظومة عالمية من الظلم والانحياز السياسي.
وحمل المتظاهرون أعلام فلسطين وفنزويلا، في رسالة واضحة مفادها أن المعركة ضد الاستعمار والعنصرية واحدة، مهما اختلفت الجغرافيا.
كما ندد المشاركون بما وصفوه بسياسة “الكيل بمكيالين”، التي تتبعها الحكومات الأوروبية، حيث تُدان انتهاكات بعض الدول بشدة، بينما يُمنح الاحتلال الإسرائيلي حصانة سياسية وإعلامية.
ويرى مراقبون أن هذه المظاهرات في باريس تعكس وعيًا متزايدًا لدى قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي بحقيقة ما يجري في غزة، بعيدًا عن الخطاب الإعلامي الرسمي.
جرائم مستمرة وخروقات ممنهجة لاتفاق وقف إطلاق النار
تأتي هذه التحركات الشعبية في وقت تواصل فيه إسرائيل خرق اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، عبر عمليات قصف متكررة، وحصار خانق، ومنع دخول المساعدات الإنسانية.
وأسفرت هذه الخروقات، حتى الآن، عن استشهاد مئات الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال، فضلًا عن تدمير واسع للبنية التحتية، والمستشفيات، ومراكز الإيواء.
كما تعمد سلطات الاحتلال إلى تقليص كميات المساعدات المسموح بدخولها إلى غزة، ما فاقم من أزمة الغذاء والدواء والمياه، وحوّل القطاع إلى منطقة منكوبة بكل المقاييس.
ويرى خبراء أن هذه السياسات تندرج ضمن استراتيجية “العقاب الجماعي”، التي تهدف إلى كسر إرادة السكان عبر التجويع والترويع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
الرأي العام الأوروبي.. بداية تحوّل أم غضب مؤقت؟
تعكس مظاهرات برلين وباريس تحوّلًا تدريجيًا في المزاج العام الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية، بعد سنوات من هيمنة الرواية الإسرائيلية على الإعلام والسياسة.
فاليوم، باتت صور الدمار والضحايا تصل مباشرة إلى الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما ساهم في كسر احتكار المعلومات، وفضح التناقضات في الخطاب الغربي.
غير أن هذا التحول لا يزال يواجه مقاومة شرسة من دوائر سياسية وإعلامية نافذة، تسعى إلى شيطنة أي انتقاد لإسرائيل، ووصمه بالتطرف أو معاداة السامية.
ورغم ذلك، يرى ناشطون أن استمرار الاحتجاجات واتساعها قد يشكل عامل ضغط حقيقي، يدفع الحكومات الأوروبية إلى مراجعة مواقفها، ولو بشكل تدريجي.
بين الشارع والسياسة.. معركة الوعي مستمرة
تكشف مظاهرات برلين وباريس أن معركة فلسطين لم تعد محصورة في الشرق الأوسط، بل باتت حاضرة بقوة في قلب العواصم الغربية، حيث يخوض النشطاء معركة وعي ضد التضليل والتواطؤ.
ورغم القمع والتضييق، يواصل المتظاهرون رفع أصواتهم دفاعًا عن غزة، مؤكدين أن الصمت على الإجرام يعني المشاركة فيه.
وفي ظل استمرار العدوان والحصار، تبدو هذه التحركات الشعبية بمثابة رسالة واضحة: أن الشعوب الأوروبية، على عكس حكوماتها، لم تعد مستعدة لغضّ الطرف عن جرائم الاحتلال، وأن موجة التضامن مع فلسطين مرشحة لمزيد من الاتساع في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا : وفاة “قاضي الإعدامات” ناجي شحاتة… بين إرث الدم وصمت العدالة