في مشهد نادر يعبّر عن توق شعوب السودان إلى العدالة، شهدت مخيمات النازحين في إقليم دارفور، ومخيمات اللاجئين السودانيين في تشاد، مظاهرات حاشدة تأييدًا لإدانة المحكمة الجنائية الدولية للقيادي السابق في مليشيات الدعم السريع علي كوشيب، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب الأهلية التي عصفت بالإقليم قبل عقدين.
لكن وسط هذا الزخم الحقوقي، تعالت أيضًا أصوات تذكّر بأن العدالة لن تكتمل ما لم تمتد يد القانون إلى من موّل وسلّح تلك المليشيات التي ارتكبت الفظائع، وفي مقدمتهم الإمارات العربية المتحدة، المتهمة بدعم قوات الدعم السريع في حربها الحالية ضد الجيش السوداني.

غضب المخيمات وفرحة العدالة الأولى
من مخيمات كريندينق وكلمة وأبو شوك في دارفور، إلى مخيمات فرجينيا ودوكسي داخل الأراضي التشادية، خرج آلاف النازحين واللاجئين هاتفين: “العدالة بدأت”، ورافعين صور ضحايا القتل الجماعي والاغتصاب والتعذيب، الذين سقطوا بين عامي 2003 و2004 على يد الجنجويد، المليشيا التي كان يقودها كوشيب بدعم مباشر من حكومة البشير آنذاك.
المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين وصفت في بيانها الحكم الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية بأنه “بداية الطريق نحو الإنصاف”، معتبرةً أن اعتقال كوشيب ومحاكمته بعد سنوات من الإفلات من العقاب، يُعيد الأمل لآلاف الأسر التي فقدت أبناءها في حربٍ راح ضحيتها نحو 300 ألف شخص وشُرّد بسببها أكثر من 2.5 مليون.
وقال المتحدث باسم المنسقية، آدم رجال، إن “الضحايا لا يطالبون بالانتقام، بل بالعدالة”، داعيًا المحكمة إلى التحرك ضد بقية المتورطين في تلك الجرائم، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير ووزيرا الدفاع والداخلية الأسبقان عبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون، الذين ما زالوا أحرارًا رغم مذكرات التوقيف الدولية الصادرة بحقهم منذ أكثر من عقد.
كوشيب.. الوجه الدموي للجنجويد
كوشيب، واسمه الكامل علي محمد علي عبد الرحمن، من مواليد عام 1949 وينتمي إلى قبيلة التعايشة في جنوب دارفور. كان من قادة قوات الدفاع الشعبي الموالية للحكومة قبل أن يتزعم مليشيا الجنجويد بين عامي 2003 و2004، حيث نفذت قواته حملات إبادة في قرى الفور والمساليت والزغاوة.
وخلال المحاكمة، وثّقت المحكمة عبر شهادات ناجين كيف كان رجاله يقتلون المدنيين، ويحرقون القرى، ويغتصبون النساء أمام ذويهم. وأكدت القاضية جوانا كورنر أن الأدلة التي قُدمت للمحكمة “لا تترك مجالًا للشك في أن كوشيب لعب دورًا رئيسيًا في تنفيذ سياسة الأرض المحروقة التي تبنتها الحكومة السودانية آنذاك”.
كوشيب فرّ إلى جمهورية أفريقيا الوسطى عام 2020 بعد سقوط نظام البشير، وسلّم نفسه طوعًا للمحكمة في لاهاي، زاعمًا أنه فعل ذلك “خوفًا من أن تقتله الحكومة السودانية”. وقد مثّل اعتقاله لحظة فارقة في مسار العدالة الدولية، إذ كان أول مسؤول من الجنجويد يُحاكم أمام المحكمة الجنائية منذ بدء الصراع في دارفور.
لكن من يحاسب من سلّح الجنجويد اليوم؟
رغم فرحة الضحايا بهذا الحكم، فإن مشهد العدالة بدا ناقصًا في عيون كثيرين. فالجنجويد الذين حوكم أحد قادتهم في لاهاي، تحولوا اليوم إلى “قوات الدعم السريع”، التي تقود حربًا مدمّرة ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023، وتتهمها منظمات دولية بارتكاب جرائم تطهير عرقي جديدة في دارفور، واغتصاب النساء، وحرق القرى.
ورغم تغير الأسماء، فإن الداعمين لم يتغيروا. فالإمارات، وفق تقارير صادرة عن خبراء الأمم المتحدة ووكالات استخبارات غربية، متورطة في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع عبر خطوط إمداد من ليبيا وتشاد. وقد أشار تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في سبتمبر 2024 إلى أن طائرات شحن إماراتية نقلت أسلحة إلى قوات حميدتي، في خرق واضح لقرارات مجلس الأمن.
يقول الناشط السوداني محمد عبد الرحمن دكين، من داخل مخيم كلمة: “العدالة التي لا تلاحق من يمول القتلة، عدالة عرجاء. من يدعم المجرم هو مجرم مثله”. ويضيف: “كوشيب سُجن بعد 20 سنة، لكن من يدعم جرائم الدعم السريع اليوم يعيش في قصور أبوظبي ويظهر في المحافل الدولية كراعٍ للسلام”.
عدالة مؤجلة وشعوب تنتظر الإنصاف
موقف المجتمع الدولي لا يزال مثيرًا للجدل. فبينما تحاكم المحكمة الجنائية مجرمًا من الصفوف الأولى للجنجويد، تغضّ الأطراف الغربية الطرف عن الدعم العسكري والمالي الذي يتدفق من دول خليجية إلى قوات الدعم السريع، بذريعة “تعقيد الملف السوداني”. وفي المقابل، يدفع المدنيون في دارفور وكردفان وثمن الحرب في الخرطوم الثمن الأكبر من دمائهم وكرامتهم.
ويرى محللون أن إدانة كوشيب، رغم أهميتها، ليست سوى خطوة رمزية في مسار طويل يتطلب إرادة دولية حقيقية. فالمحكمة الجنائية لا تملك أدوات تنفيذية، والسلطات السودانية الحالية غارقة في الصراع، بينما القوى الإقليمية — خاصة الإمارات — تواصل استخدام النزاع السوداني كأداة نفوذ إقليمي واقتصادي.
عدالة ناقصة لا توقف الحرب
خرج النازحون في دارفور يهتفون للعدالة، لكنهم عادوا إلى خيامهم يواجهون الجوع والخوف من القصف. فالعدالة بالنسبة لهم ليست حكمًا في لاهاي فحسب، بل ضمانة لعدم تكرار المأساة. وفي الوقت الذي يُحاكم فيه كوشيب على جرائم الأمس، تُرتكب اليوم جرائم جديدة بأموال وأسلحة إماراتية على أرض السودان، بينما يكتفي العالم بالمشاهدة.
العدالة الدولية إذن، لا تزال انتقائية ومجزوءة، ما لم تمتد لتشمل كل من أشعل الحروب وموّل المذابح واستثمر في الفوضى. فدارفور لا تحتاج فقط إلى إدانة كوشيب، بل إلى محاسبة من جعل من دمائها تجارة سياسية واقتصادية تمتد من الخرطوم إلى أبوظبي.
اقرأ أيضًا : الإمارات تغذي نيران دارفور.. والأمم المتحدة تطالب بوقف استهداف المدنيين في الفاشر