شهد مقر شركة مايكروسوفت في ولاية واشنطن الأمريكية، مظاهرة واسعة نظمها موظفون حاليون وسابقون إلى جانب ناشطين وسكان محليين، احتجاجًا على استمرار الشركة في التعاون مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات بأن تقنياتها تُستخدم لدعم آلة الحرب التي تحصد أرواح المدنيين في غزة ولبنان. 

المظاهرة التي اتخذت طابعًا تصعيديًا بإقامة خيام أمام المبنى الرئيسي للشركة، عكست تحوّلًا لافتًا في شكل المعارضة الداخلية داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، والتي باتت متهمة بـ”التواطؤ في الإبادة الجماعية”.

احتجاج يتجاوز المألوف: “ساحة شهداء الأطفال الفلسطينيين”

المحتجون نصبوا خيامًا أمام مقر الشركة وأعلنوا المكان “منطقة محررة”، وعلّقوا لافتة كبيرة على أحد مباني مايكروسوفت كتب عليها: “ساحة شهداء الأطفال الفلسطينيين”، في إشارة مباشرة إلى آلاف الأطفال الذين استشهدوا جراء العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من 22 شهرًا على قطاع غزة.

خطوة رمزية كهذه لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل رسالة سياسية وأخلاقية بأن مايكروسوفت، وفق تعبيرهم، متورطة في حرب الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون. كما وضع المحتجون طاولة للحوار ودعوا مسؤولي الشركة للانضمام إليهم، مؤكدين أن موقف مايكروسوفت لم يعد مقبولًا تحت أي مبرر.

عقود سرية وتقارير صادمة: الذكاء الاصطناعي في خدمة الحرب

مايكروسوفت أقرت، في بيان منتصف مايو/أيار الماضي، أنها تقدم خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لوزارة الحرب الإسرائيلية، لكنها حاولت التخفيف من وقع الاتهامات بالقول إنه “لا يوجد دليل على استخدام هذه التقنيات لإلحاق الأذى بالمدنيين”.

غير أن تحقيقًا أجرته وكالة أسوشيتد برس أوائل 2025 كشف أن نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لمايكروسوفت وOpenAI استُخدمت فعليًا في برنامج عسكري إسرائيلي لاختيار أهداف القصف في غزة ولبنان، وهو ما ينسف رواية الشركة ويدينها مباشرة بالتواطؤ.

التقرير أظهر أن هذه التقنيات لم تُستخدم في مجالات مدنية أو إنسانية، بل تحولت إلى أداة بيد جيش الاحتلال لزيادة دقة عمليات القصف، التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الأبرياء، ما يجعل مايكروسوفت في موضع شريك مباشر في الجرائم.

تحقيق عاجل أم محاولة للالتفاف؟

إزاء الضغوط المتزايدة، أعلنت الشركة إطلاق تحقيق خارجي عاجل بعد تقارير جديدة كشفت أن وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200 اعتمدت على منصة “أزور” التابعة لها لتخزين تسجيلات مكالمات الفلسطينيين اليومية في غزة والضفة الغربية. 

صحيفة الغارديان بالتعاون مع +972 Magazine وLocal Call نشرت تفاصيل خطيرة عن أن الشركة وفرت لإسرائيل “منطقة خاصة مفصولة” داخل أزور لهذه المهمة، في خرق واضح لشروط الاستخدام التي تحظر المراقبة الجماعية للمدنيين.

ولإخماد الغضب، أوكلت مايكروسوفت التحقيق إلى مكتب محاماة أمريكي (Covington & Burling)، لكن ناشطين وموظفين شككوا في جدية الخطوة، معتبرين أنها مجرد محاولة “تبييض صورة” الشركة وتخفيف حدة الانتقادات دون إحداث تغيير فعلي.

حملة “No Azure for Apartheid”: الغضب من الداخل

أحد أبرز أوجه الضغط جاء من داخل الشركة نفسها، عبر حملة يقودها موظفون تحت شعار “No Azure for Apartheid”، والتي تتهم الإدارة العليا بـ”التواطؤ في الإبادة الجماعية والفصل العنصري”. 

هؤلاء الموظفون طالبوا بقطع أي علاقة مع جيش الاحتلال، والكشف علنًا عن كل العقود والاتفاقيات مع مؤسسات الأمن الإسرائيلية. الحملة، التي لاقت صدى واسعًا في الإعلام الأمريكي والدولي، أبرزت أن معارضة سياسات الشركة لم تعد محصورة في الناشطين الخارجيين، بل باتت تعكس انقسامًا داخليًا خطيرًا قد يهدد صورتها واستقرارها الوظيفي.

مايكروسوفت في قلب الجدل الأخلاقي

المفارقة أن مايكروسوفت تطرح نفسها عالميًا كقائد في مجال الابتكار الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية، لكنها الآن تواجه اتهامات باستخدام تقنياتها في دعم إبادة جماعية موثقة بأرقام صادمة: أكثر من 62 ألف شهيد فلسطيني، غالبيتهم من المدنيين، بينهم آلاف الأطفال والنساء. 

ومع تزايد التقارير التي تكشف تورط شركات التكنولوجيا الكبرى في تسهيل المراقبة والقصف، تتحول القضية إلى فضيحة أخلاقية تضرب مصداقية هذه الشركات أمام الرأي العام العالمي.

البعد السياسي والإنساني للاحتجاجات

هذه المظاهرات تأتي في سياق عالمي أوسع من التضامن مع الفلسطينيين، حيث باتت الشركات الأمريكية الكبرى في مرمى اتهامات بالتربح من الاحتلال والإبادة. الاحتجاج أمام مايكروسوفت لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يربط بين الابتكار الرقمي والإبادة، ويكشف أن التكنولوجيا لم تعد محايدة بل أداة خطيرة قد تساهم في تعميق المأساة الإنسانية.

وبينما تحاول الشركة إنكار دورها المباشر، فإن الوقائع والوثائق المسربة والتحقيقات الصحفية تشير بوضوح إلى أن مايكروسوفت ليست مجرد مزود تقني، بل شريك رئيسي في منظومة الحرب الإسرائيلية.

خاتمة: التكنولوجيا بين الربح والعدالة

ما يحدث أمام مقر مايكروسوفت ليس مجرد اعتصام عابر، بل جزء من مواجهة متصاعدة بين قيم العدالة وحقوق الإنسان من جهة، ومنطق الشركات العملاقة الباحثة عن العقود والربح من جهة أخرى. احتجاج الموظفين والناشطين يعكس بداية تغيير حقيقي، حيث لم يعد مقبولًا أن تختبئ الشركات خلف شعارات الابتكار فيما تسهم تقنياتها في قتل الأبرياء.

إن استمرار هذه الشراكات يعني أن مايكروسوفت شريكة في الحرب على الفلسطينيين، وأن شعار “تمكين كل إنسان على وجه الأرض” الذي تتبناه الشركة أصبح في نظر المحتجين مجرد غطاء لتمكين الاحتلال من ارتكاب المزيد من الجرائم. وهكذا، فإن الضغط الشعبي والحقوقي قد يكون العامل الحاسم في إجبار الشركة على إعادة النظر في سياساتها، وإلا ستظل وصمة “دعم الإبادة” تلاحقها أينما ذهبت.

اقرا أيضًا : رايتس ووتش: لوس أنجلوس تحولت إلى ساحة بطش أمني