كشف تحقيق صادر عن صحيفة الغارديان ومستند إلى وثائق مسرّبة أن بوريس جونسون، رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق، استغل اتصالاته السياسية التي بناها أثناء وجوده في داونينغ ستريت للتقرب من كبار المسؤولين في المملكة العربية السعودية، مقدمًا خدمات شركة استشارية خاصة إلى ولي العهد محمد بن سلمان بوصفه “معجبًا متحمسًا بالرؤية التي تحملها للمملكة”، مقابل مكاسب مالية ودور تجاري جديد يفتح أمامه سوقًا سعودية واسعة. تظهر الملفات أن جونسون قاد جهود شركة استشارية حديثة التأسيس تُدعى «بيتر إيرث» لإقناع الحكومة السعودية بالتعاقد معها لتقديم مشورة حول خفض الانبعاثات الكربونية، وأن تحركاته شملت لقاءات مباشرة مع مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى كان قد تعرف إليهم خلال توليه رئاسة الحكومة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول خرقه القيود المفروضة على الوزراء السابقين بخصوص الضغط لدى جهات حكومية أجنبية.
تشير الوثائق إلى أن «بيتر إيرث» شركة بريطانية أسسها في أواخر عام ٢٠٢٣ الممول الكندي أمير عدناني، وهو رجل أعمال يدير شركة تعدين لليورانيوم بمليارات الدولارات وظهر في برنامج إذاعي مع ستيف بانون، المستشار السابق لدونالد ترامب، وأن عدناني يتقاسم رئاسة الشركة مع جونسون. التحركات التي قادها جونسون تضمنت غداءً واجتماعًا في نادٍ خاص للأعضاء مع وزير سعودي مؤثر سبق أن التقى به عندما كان في الحكومة. كما كتب جونسون بنفسه رسالة مديح موجهة إلى ولي العهد محمد بن سلمان يعلن فيها أنه “معجب متحمس بالرؤية التي تحملها للمملكة”، ويعرض خدمات الشركة قائلًا: “أرغب جدًا في استكشاف ما إذا كانت «بيتر إيرث» يمكن أن تكون مفيدة لكم وللمملكة العربية السعودية في تحقيق طموحاتكم، إذ أعتقد يقينًا أنها كذلك”.
توضح «ملفات بوريس»، وهي حزمة من الوثائق المسرّبة حصلت عليها منظمة «ديستربيوتد دينَيل أوف سيكريتس» الأمريكية المعنية بأرشفة التسريبات واطّلعت عليها الغارديان، كيف نسج جونسون بعد خروجه من رئاسة الحكومة مسارًا ربحيًا يعتمد على النفوذ والعلاقات التي اكتسبها خلال المنصب العام. لم ترد شركة «بيتر إيرث» على طلبات التعليق المتكررة، كما لم ترد الحكومة السعودية. جونسون نفسه لم يجب على الأسئلة قبل النشر، ثم بعث لاحقًا ببيان إلى الغارديان لم يتطرق مباشرةً إلى تساؤلات الصحيفة حول مخاطبته مسؤولين سعوديين تعرف إليهم عندما كان رئيسًا للوزراء، ونفى فيه إساءة استخدام مكتبه الخاص لأي مخصصات عامة مخصصة لتغطية مهامه العامة بعد المنصب، قائلًا: “هذه القصة هراء. تم استخدام مخصص الواجبات العامة وفق القواعد تمامًا. على الغارديان أن تغير اسمها إلى برافدا”.
تكشف الوثائق أيضًا أن هيكل ملكية «بيتر إيرث» يضم سبعة من المقربين والمستشارين لجونسون، منهم وزيران محافظان سابقان وشارلوت أوين، المساعدة السابقة التي منحها جونسون لقب النبالة وهي في الثانية والثلاثين من عمرها. وخلال عمله رئيسًا للوزراء، وقبله وزيرًا للخارجية، أقام جونسون تواصلًا واسعًا مع الحكومة السعودية التي تتعرض لانتقادات حقوقية حادة من المنظمات الحقوقية. التقى محمد بن سلمان خلال زيارة رسمية إلى الرياض عام ٢٠٢٢، وأجرى سلسلة اتصالات رسمية معه وهو في داونينغ ستريت، وأفادت تقارير بتبادل متكرر للرسائل عبر واتساب بين الجانبين.
تذكر الغارديان أن صحيفة الأوبزرفر أفادت العام الماضي بأن مسؤولًا تنفيذيًا كبيرًا لدى مجموعة تعدين مقرها الولايات المتحدة ومرتبطة بأمير عدناني كان قد التقى جونسون وهو رئيس للوزراء في أيار/مايو ٢٠٢٢، وأن عدناني نشر على وسائل التواصل أن الحديث دار حينها حول الطاقة النووية واليورانيوم. بعد أقل من عامين أسس عدناني «بيتر إيرث» واستقطب جونسون ليشغل منصب الرئيس المشارك بدوام جزئي مقابل ١٢٠ ألف جنيه إسترليني سنويًا وحصة أولية قدرها ١٢,٥٪ من أسهم الشركة، بحسب الملفات. عرض التوظيف وُقِّع في أواخر كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤ بعد يوم واحد من زيارة جونسون إلى الرياض التي ألقى خلالها خطابًا ويبدو أنه حضر مأدبة عشاء استضافها السفير البريطاني. ووفقًا للوثائق، وافق جونسون على بدء العمل في الأول من شباط/فبراير، وبعد أيام قدّم إلى لجنة الاستشارات بشأن التعيينات التجارية طلب الموافقة على الوظيفة، وأبلغها أنه يعتزم البدء في آذار/مارس، من دون أن يذكر أنه كان قد وافق بالفعل على المنصب قبل تقديم الطلب.
عندما وافقت اللجنة على الدور في نيسان/أبريل ٢٠٢٤ فرضت شروطًا، منها أنه على مدى سنتين من تاريخ خروجه من المنصب لا يجوز لجونسون أن يتورط شخصيًا في الضغط على اتصالات حكومية أجنبية كوّنها أثناء وجوده في المنصب بغرض تأمين أعمال أو استثمارات لشركة «بيتر إيرث». إلا أن الوثائق تفيد بأن جونسون كان قد عقد بالفعل غداءً مع وزير التجارة السعودي ماجد القصبي، وهو مسؤول التقى به مرارًا أثناء وجوده في الحكومة، ودار خلال الغداء الحديث عن المشروع الجديد. تُظهر الوثائق لقاءات عديدة بين جونسون والقصبي عندما كان في المنصب، منها اجتماع في داونينغ ستريت، كما تفيد بأن القصبي أشرف على ترتيبات زيارة جونسون الرسمية إلى المملكة في آذار/مارس ٢٠٢٢، وتُظهر صور رسمية للزيارة جونسون في جولة مسائية في شوارع الرياض والقصبي يسير إلى جانبه.
بعد غداء شباط/فبراير ٢٠٢٤ مع القصبي، تخطط «بيتر إيرث»—بحسب الملفات—لأن يبعث جونسون برسالة إلى ولي العهد بدعم من الوزير. كتب الرئيس التنفيذي للشركة في إشارة واضحة إلى ماجد القصبي: “أخذنا بكل النصائح التي قدمها لنا ماجد”. ويبدو أن جونسون صاغ رسائل رسمية إلى القصبي وإلى ولي العهد في وقت لاحق من الشهر نفسه على ورق يحمل ترويسة «مكتب بوريس جونسون»، مع عدم اتضاح ما إذا كانت الرسائل قد أُرسلت فعلًا. تضمنت رسالة ولي العهد ذكريات شخصية يستعيد فيها جونسون لقاءً قديماً مع القصبي واصفًا إياه بـ“الصديق” الذي كان يرتدي “شورت سباحة مزهرًا” لأنهما كانا يغوصان معًا قبالة ساحل منطقة كانت آنذاك صحراء بلا طرق. وواصل جونسون القول إنه، رغم عيشه اليوم حياة “ريفية هادئة بلا شائبة” في أوكسفوردشاير، لا يزال ملتزمًا بقوة بخفض الكربون، مذكرًا بأنه ساهم في إدارة «قمة المناخ كوب ٢٦» الناجحة في غلاسكو عام ٢٠٢١. وأضاف: “أترأس الآن شركة تقدم حلولًا عملية لتطوير الطاقة الخضراء وخفض الكربون، وأرسل مذكرة أكثر تفصيلًا عن الشركة إلى ماجد، وسيكون من دواعي الشرف أن ألتقيك وأشرح لك ذلك شخصيًا”.
توضح مسودة الرسالة المرافقة إلى ماجد القصبي أن «بيتر إيرث» “حريصة على تقديم المشورة والمساعدة” للمملكة في إعداد التزامات خفض الكربون لقمة المناخ «كوب ٣٠»، وأن الشركة “ليست مجرد جهة استشارية بل مطوّر مشاريع”، وأنها “سترسل فريق الخبراء” إلى المملكة لتقييم فرص الشراكة في تطوير مشروعات توليد كهرباء حرارية أرضية بالحياد الصفري. وجاء في الرسالة: “نرغب كثيرًا في لقاء الجهات الوزارية المختصة. أملنا أن نساعد سمو ولي العهد على تحقيق طموحاته”.
لا تظهر الوثائق ما إذا كان ماجد القصبي نقل تفاصيل عرض جونسون إلى محمد بن سلمان أو طبيعة رد الحكومة السعودية، لكن الملفات توحي بأن القصبي التقى جونسون مجددًا في منتصف حزيران/يونيو ٢٠٢٤. وتشير المراسلات إلى أن الاجتماع جرى في نادي «٥ هيرتفورد ستريت» الخاص في حي مايفير بلندن، المملوك لرجل الأعمال الواسع الثراء روبن بيرلي، وهو من أبرز داعمي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كتبت مساعدة جونسون إلى إدارة النادي: “طلب بوريس استخدام مكتب روبن للاجتماع”، مع تقديم قائمة صغيرة بالحضور المحتملين. وتُظهر القائمة أن «بيتر إيرث» كانت على جدول الاجتماع، وأن الحاضرين المخطط لهم شملوا جونسون والوزير ماجد القصبي وأمير عدناني، إلى جانب الوزيرين المحافظين السابقين كريس سكيدمور ونايجل آدامز، وكلاهما يحمل أسهُمًا في الشركة.
تقدم هذه الوقائع كما وردت في وثائق الغارديان صورة واضحة لمسار اتبع فيه بوريس جونسون توظيف نفوذه السياسي وشبكة معارفه الحكومية السابقة في المملكة المتحدة وخارجها لخدمة مصالح تجارية خاصة مع النظام السعودي، مع تقديم نفسه وشركته بوصفهما شريكين مستعدين لتقديم حلول “خضراء” تتوافق مع خطاب رسمي مطلوب دوليًا، بما يفضي إلى منح النظام غطاءً خارجيًا وتطبيعًا سياسيًا مقابل مكاسب مالية ومواقع نفوذ جديدة لشبكة ضيقة من المقربين منه.