العدسة – ياسين وجدي:
أوصت دراسة حديثة بعنوان“الواقعية الجديدة في مصر: التحديات في ظل السيسي” صادرة عن معهد واشنطنللدراسات في الشرق الأدنى المقرب من دوائر صنعالقرارفي واشنطن ، بعدم سماح الإدارة الأمريكية لاستمرارالجنرال عبد الفتاح السيسي في منصبه بعد انتهاء الولايتينالمسموح لهما بهما دستوريا في 2020 .
وأوصت الدراسة باتخاذ كافة السبل لمنع أي تجاوز في هذاالإطار.
كما توقعت الدراسة عودة ظهور الإخوان المسلمين في مصر مجددا وعدم تأثير السجن في القضاء عليهم.
العدسة يستعرض في هذا التقرير أبرز ما جاء في الدارسةومناقشات أخرى جرت في ندوة عقدها مؤخرا معهدواشنطن ، تصدرها باراك بارفي صاحب الدراسة ، والباحثالبارز في “مؤسسة أمريكا الجديدة” وميشيل دون باحثةبارزة في إدارة “برنامج الشرق الأوسط في مؤسسةكارنيجي للسلام الدولي.
توصيات مهمة
توصي دراسة معهد واشنطن التي وصلت ” العدسة ” بأنتعمل الولايات المتحدة على الضغط على السيسي لكييتنحّى عام 2022، وأكدت أنه “يجب على واشنطن أن تضعأيضاً سيناريوهات إذا لم يقم بذلك نظراً للشكوك المتناميةالتي يبديها الرأي العام المصري بشأنه، ودعت المسؤولينالأمريكيين لممارسة المزيد من النفوذ هناك في المرحلة المقبلة.
وتوقعت الدراسة التي أجراها باراك بارفي لمعهد واشنطن أنيقرر الكونجرس الأمريكي مجدداً وضع شروط علىالمساعدات، أو تغيير ميزان “التمويل العسكري الخارجي” و“صناديق الدعم الاقتصادي“، وعوضاً عن زيادة المساعدةالاقتصادية، يجب على الولايات المتحدة النظر في إمكانيةتغيير وجهة المساعدات نحو المسائل المتعلقة بالمياه والتنميةالبشرية والتعليم، فيما دعت الدراسة إلى خطوة مثمرة أخرىبحسب وصفها يمكن اتخاذها وهي تغيير وجهة المساعداتالعسكرية من أنظمة الأسلحة القديمة الكبيرة إلى الأنظمةالمتعلقة بمكافحة الإرهاب، وبالتالي تلبية أولويةً أكثرإلحاحاً.
من جانبها أوضحت ميشيل دون مسئولة إدارة “برنامجالشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي أنالدراسة الجديدة قدمت الكثير من التفاصيل المهمة، لكنحالة القمع في مصر أكثر قتامة مما تشير إليه الدراسة، وأسوأ بكثير مما كانت عليه خلال عهد حسني مبارك، حيثأن معظم ضحايا العنف الذي ترعاه الدولة هم من الشباب، بينما لم تعد وسائل الإعلام المستقلة قائمة.
وأكدت دون أنه بعد الثورة، استخدم السيسي مستوياتعالية جداً من الوحشية لإعادة بناء جدار الخوف. ومنالصعب تحديد الآراء الحقيقية للسكان المحليين بسبب عدموجود استطلاعات جيّدة في مصر، ومن المرجح أن تستمرسياساته القمعية لبعض الوقت، وتشير العديد من الدلائلإلى أنه يخطط لتعديل الدستور من أجل إلغاء الشروط التيتقيّد فترة الولايات الرئاسية لكي يبقى في منصبه إلى أجلغير مسمّى.
الاخوان ستعاود الظهور
وتوقعت الدراسة أن القضاء على جماعة «الإخوانالمسلمين» لا يزال بعيداً بالرغم من وجود عشرات آلافالإسلاميين في السجن موضحة أن هناك القليل من الأدلةعلى وجود دعم شعبي للمعارضة السياسية ضد السيسيباستثناء الإسلاميين، حيث أن أحزاب مصر اليسارية لم تعدتلقى تجاوباً منذ فترة طويلة، ومن المرجح بحسب الدراسة أنتعاود جماعة الاخوان فالظهور في مصر عبر تشكيل جيلجديد من الأعضاء داخل حرم الجامعات، تماماً كما فعلتفي سبعينات القرن الماضي.
وأشارت الدراسة أنه لا يزال سجل القاهرة في مجال حقوقالإنسان مدعاة للقلق، فقد اتخذت حكومة الرئيس عبد الفتاحالسيسي إجراءات صارمة ضد كافة أشكال المعارضة، وربما بصورة أكثر قمعية مما كانت عليه أثناء نظام جمالعبد الناصر.
وضربت الدراسة مثالا حول ذلك بأنه في الآونة الأخيرة، ألُقي القبض على كاتب لمجرد انتقاده تخفيضات الدعمالتي اتخذتها الحكومة في القاهرة، موضحة أنه إذا كانتواشنطن مستعدة لاتخاذ المزيد من الإجراءات بهذا الشأن، فلن يكون الضغط على السيسي حول حقوق الإنسان فعالاً كما يجب، حيثأن الأهم من ذلك، طبقا للدراسة أن هذهالقضية لا تشكل أولوية بالنسبة لمعظم المصريين، الذينيميلون إلى الاهتمام بصورة أكثر بالاستقرار والأمنوالتحسينات الاقتصادية.
وبحسب الدارسة فإن مصادر الإيرادات في مصر قد شحّتبشكل كبير، مشيرة إلى أنه في أواخر التسعينات وأوائلالعقد الأول من القرن الحالي، شهدت مصر فترةً من النموالاقتصادي استمدت دفعها بالدرجة الأولى من الاستهلاكالمحلي وليس من الصادرات، ونتيجة لذلك، واجهت البلادصعوبةً في الحفاظ على ميزان مدفوعاتها وعانت نقصاً حاداً في العملات الأجنبية. ولطالما اعتمدت على عائداتالسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر لتغطية مثل هذاالعجز، إلّا أن الوقت تغير الان وشحت المصادر.
ولفتت الدراسة الانتباه إلى أن مصر تعيش على المساعدات، حيث أنها أكبر متلق للمساعدات الأمريكية حتى حربالأيام الستة، وربما كانت أكبر متلق للمساعدات الخارجيةمن الاتحاد السوفياتي، وبعد أن تولّى أنور الساداتالسلطة في عام 1970، زادت دول الخليج مساعداتهاللقاهرة فساهمت جزئياً في التخفيف من وطأة مشاكلمصر في موازنة المدفوعات وبعد حرب عام 1973 و“اتفاقيات كامب ديفيد” عام 1978، استأنفت واشنطنمساعداتها المالية إلى مصر، وفي بداية السبعينات، كان“صندوق النقد الدولي” ينفّذ مشاريع في مصر بصورةمتقطعة.
وأضافت أنه بالإضافة إلى هذه المشاكل المالية، يشكلمشروع “سد النهضة الأثيوبية الكبرى” مصدر قلق كبيرللقاهرة، حيث من المرجّح أن يؤدي السد إلى انخفاض كبيرفي منسوب المياه الذي تحصل عليه مصر، خاصة عندما يتمملء الخزان ليصل إلى 70 مليار متر مكعب. و
وأوضحت الدراسة أن القانون الجديد الذي أقرته الحكومةالمصرية بشأن المنظمات غير الحكومية يطرح مشكلة كبيرةأمام المجتمع المدني، لكنها زعمت أن العديد من المصريينيعتبرون المنظمات غير الحكومية عبارة عن وكلاء أجانبيعملون على إضعاف الدولة، وذلك بالتماشي مع تزايدالنزعة المعادية للأجانب في البلاد منذ عام 2011.
معضلات التنمية
من جانبها أكدت ميشيل دون أن إدارة عدد السكان العاملالأهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية في مصر ، حيثأحرزت البلاد تقدماً ملحوظاً في الحد من معدل النموالسكاني منذ سبعينات القرن الماضي وإلى مطلع العقدالمنصرم. ولكن خلال السنوات العشر الماضية، ارتفع معدلالخصوبة إلى 3,5 طفل لكل أسرة. ويبلغ عدد سكان مصرحالياً أكثر من 96 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصل إلى128 مليون بحلول عام 2030.
وتطرح هذه الأرقام مشكلة كبيرة، بحسب دون ، خاصة فيمايتعلق بنقص المياه، وبالتالي يُعتبر “سد النهضة” مسألةثنائية جوهرية بين القاهرة وأثيوبيا. فإذا اكتمل المشروعببطء كما هو متوقع، فلن تواجه مصر انخفاضاً سريعاً فيكمية المياه المتوفرة لها، ولكن حتى لو لم يكن السد موجوداً أساساً، فستبقى مصر تواجه تحديات حقيقية في كميةالمياه على المدى البعيد بسبب نموها السكاني وأساليبالريّ المختلّة.