في تطور صادم يعكس عمق الانتهاكات التي شهدها السودان خلال الحرب الدائرة، أعلن الجيش السوداني عن العثور على مقبرة جماعية تضم 465 جثة في حي الصالحة بمدينة أم درمان، يُعتقد أن الضحايا تم اختطافهم وتصفيتهم على يد ميليشيات الدعم السريع، في واحدة من أبشع الجرائم الجماعية منذ اندلاع الصراع.

هذا الاكتشاف المروّع يأتي بعد إعلان الجيش استعادته الكاملة لولاية الخرطوم وتطهيرها من أي وجود للميليشيات، في خطوة اعتبرها مراقبون نقطة تحوّل حاسمة في مسار الحرب.

الجيش، الذي بات يسيطر على القصر الجمهوري وعدة مواقع استراتيجية، وجّه في بيانه اتهامات صريحة لقوات الدعم السريع ومن وصفهم بـ”أعوانها من قوى الشر الإقليمية والدولية”، في إشارة واضحة إلى الدور الإماراتي المساند للميليشيات، والذي تُوجّه له اتهامات متكررة بمحاولة فرض أمر واقع سياسي يقسّم السودان على أسس عرقية وقبلية.

الانكشاف الجنائي: توثيق المجازر في أم درمان وقري

بحسب بيان الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني، فإن المقبرة الجماعية التي اكتُشفت في أم درمان جاءت نتيجة عمليات تمشيط عسكرية موسّعة بعد تحرير المنطقة من قبضة “الدعم السريع”. 

وتتقاطع هذه الحادثة مع اكتشاف سابق يعود إلى مارس الماضي، حين تم العثور على مقبرة جماعية سرية داخل قاعدة قري العسكرية شمال بحري، حيث وُجد ما لا يقل عن 550 قبراً بلا شواهد، وتُرجّح التحقيقات أنها تحتوي على جثث ضحايا تعرضوا للتعذيب والتجويع قبل دفنهم جماعيًا.

ووفقًا لتحقيق ميداني أجرته صحيفة الغارديان البريطانية، فقد كشفت الزيارة لقاعدة قري عن مركز اعتقال سري، تضمن أدوات تعذيب وأغلال معلّقة وآثار دماء، مما يعزز فرضية أن القتل تم ضمن عمليات إعدام ميدانية ممنهجة.

وبحسب التحقيق، فإن الصور الجوية والبيانات العسكرية تؤكد أن المنطقة لم تكن تضم أي مقابر قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، ما يرسخ أن الجثث دفنت أثناء سيطرة الدعم السريع على الموقع.

المعارك الميدانية والتحولات الاستراتيجية

في الأيام الأخيرة، تراجعت سيطرة ميليشيات الدعم السريع بشكل لافت، حيث أعلن الجيش عن تحقيق انتصارات ميدانية متتالية في مناطق غرب النيل الأبيض وشمال كردفان، مما جعل قوات “حميدتي” تنكفئ إلى جيوب محدودة في جنوب كردفان والنيل الأزرق وأجزاء من إقليم دارفور، الذي لا تزال أربع ولايات منه تحت سيطرة الميليشيا المسلحة.

بالتزامن مع هذه التطورات، شنّت قوات “الدعم السريع” هجمات جوية عبر طائرات مسيّرة استهدفت مناطق ذات كثافة سكانية، أبرزها حي “ود نوباوي” في أم درمان، فيما رد الجيش بقصف مدفعي مكثف استهدف مواقع تمركزهم المتبقية في حي الصالحة. وتؤكد هذه المواجهات أن المعركة باتت تُخاض على مشارف مرحلة حاسمة، بين مشروع وطني يسعى لاستعادة الدولة، وآخر انقلابي مدعوم من الإمارات، يسعى لإدامة الفوضى وتفتيت البلاد.

البُعد الإقليمي والدور الإماراتي المشبوه

أصابع الاتهام تشير مجددًا إلى أبوظبي، التي يُقال إنها توفر دعماً لوجستيًا وعسكريًا لقوات الدعم السريع، في محاولة لترسيخ نفوذها عبر دعم ميليشيا مستقلة عن الدولة السودانية. وسبق لتقارير دولية، بينها وثائق سرّبتها منظمات حقوقية، أن تحدثت عن شحنات أسلحة وتمويلات مالية عبر ميناء بورتسودان وطرق جوية إلى ميليشيات حميدتي.

ويرى مراقبون أن هذا الدعم لا ينفصل عن الطموح الإماراتي في تقاسم النفوذ عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي، خاصة مع اشتداد التنافس بين قوى إقليمية مثل مصر، تركيا، وقطر، للتمركز في مناطق النفوذ الجيوستراتيجية.

كما يسود قلق متزايد من إمكانية إعادة تدوير سيناريو ليبيا أو اليمن في السودان، حيث تشكّل ميليشيات مدعومة خارجيًا أدوات لتفتيت الدولة الوطنية وتحويلها إلى ساحات صراع بالوكالة. 

ويؤكد دبلوماسيون سودانيون سابقون أن ما يحدث في الخرطوم اليوم هو محاولة للانقلاب على التاريخ الوطني للسودان الموحد، وإدخاله في نفق من الانقسام الأهلي والتمزيق الجغرافي.

مسار العدالة أم طريق الصمت؟

تكشف المقابر الجماعية في أم درمان وقري عن حجم الفظائع التي ارتُكبت في الخفاء، وترفع منسوب المطالبات الدولية بـ فتح تحقيق أممي مستقل في جرائم الحرب المرتكبة، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.

لكن حتى الآن، ما تزال التحركات الدولية خجولة، وسط خشية من تسييس الملف أو تجاهله ضمن الحسابات الإقليمية والدولية.

في المقابل، يُصرّ الجيش السوداني على المضي في استعادة السيطرة على كامل التراب الوطني، وإعادة بناء الدولة وفق قاعدة القانون والعدالة. 

غير أن المعركة ضد الانقسام والداعمين له لن تكون ميدانية فقط، بل سياسية وقانونية وأخلاقية، في وجه مشروع لا يريد للسودان أن ينهض من محنته.

اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يعلن تطهير ولاية الخرطوم بالكامل .. انتصار الشعب وخذلان الإمارات