كشفت مصادر صحفية سودانية موثوقة عن تحركات خطيرة تجري خلف الكواليس تقودها دولة الإمارات بهدف تسويق زعيم ميليشيا “قوات الدعم السريع”، محمد حمدان دقلو الشهير بـ”حميدتي”، لدى الإدارة الأمريكية، في محاولة يائسة لإعادة إحيائه سياسياً بعد الضربات القاسية التي تلقاها ميدانياً من الجيش السوداني في الأسابيع الأخيرة. 

هذه التحركات لا تنفصل عن المخطط الإقليمي الأشمل الذي تسعى من خلاله أبوظبي لإعادة تشكيل السودان من جهة، وخدمة المشروع الإسرائيلي عبر تسهيل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة نحو مناطق خاضعة لسيطرة حميدتي، مقابل منحه شرعية دولية كزعيم سياسي مقبول.

خطة تهجير جديدة.. حميدتي يعرض أرضاً مقابل شرعية

بحسب التسريبات، فإن العرض الذي يُطرح على طاولة المفاوضات في دوائر مغلقة بواشنطن يتضمن استعداد حميدتي لاستقبال مئات الآلاف من الفلسطينيين المهجرين قسراً من غزة، في مناطق تقع تحت سيطرته في إقليم دارفور وغرب السودان، حيث يملك الرجل نفوذاً ميدانياً عبر ميليشياته المدعومة إماراتياً.

الخطة تتضمن تجهيز “مخيمات إنسانية” على غرار تلك التي أُقيمت في مناطق النزوح السوري، لكنها في جوهرها عملية توطين سياسي ممنهج، تهدف لتصفية القضية الفلسطينية ديموغرافياً، ونقل الأزمة إلى الداخل الإفريقي.

ويأتي هذا العرض بالتزامن مع صمت رسمي إماراتي، وتصريحات إسرائيلية متكررة عن “خطة تهجير إنسانية” لسكان غزة نحو سيناء أو خارج الحدود. وفي ظل الرفض المصري المعلن لأي توطين داخل أراضيه، يبدو أن أبوظبي وجدت ضالتها في حميدتي، ذلك “الورقة المحروقة” التي تحاول إعادة تدويرها بملف فلسطيني، بهدف كسب دعم واشنطن له وإبعاده عن شبح الهزيمة الشاملة أمام الجيش السوداني.

دور إماراتي مشبوه في دعم الانقسام والتطبيع

الخطير في هذه التسريبات لا يقتصر فقط على مضمون المقايضة غير الأخلاقية، بل على الجهة الراعية لها: الإمارات. فوفقاً للمصادر، فإن فريقاً إماراتياً متخصصاً في التواصل السياسي والضغط الإعلامي هو من يقود الحملة لتسويق حميدتي في العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن.

الحملة لا تركز على صورته كمتمرد متهم بارتكاب جرائم حرب، بل تحاول إعادة تصنيعه على أنه “فاعل إقليمي يمكنه المساعدة في حل أزمات الشرق الأوسط”، عبر خدمات لوجستية تتعلق بـ”الهجرة وإيواء النازحين”.

ويبدو أن الهدف الحقيقي من هذه الخطة هو مزدوج:

  1. تقسيم السودان عبر إحياء مشروع حميدتي في الغرب السوداني، وربما منحه حكماً ذاتياً أو صفقة انفصالية بحجة “الاستقرار الإنساني”، على غرار سيناريو جنوب السودان.

  2. تصفية المقاومة الفلسطينية بترحيل جزء من سكان غزة، وتفريغ القطاع من القوة البشرية التي تُعد عمقاً استراتيجياً للمقاومة، وهو ما يمثل مصلحة مباشرة لإسرائيل، التي لم تعد قادرة على حسم المواجهة عسكرياً.

 

الأبعاد الأخلاقية والسياسية للمخطط

ما يُكشف اليوم عن مقترحات التهجير وتوطين الفلسطينيين في مناطق النزاع السوداني ليس فقط انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، بل يعكس مستوى غير مسبوق من الابتذال السياسي، حيث يتم تحويل مأساة شعبين (السوداني والفلسطيني) إلى أوراق تفاوض في لعبة النفوذ بين قادة الحرب وسماسرة التطبيع.

إن قبول حميدتي بهذا العرض يضعه مباشرة في خانة المتورطين في مشروع التهجير القسري، ويمنح الاحتلال الإسرائيلي أحد أكثر مكاسبه حساسية: تفريغ غزة وتحييد خطرها الديمغرافي. 

وفي المقابل، يحصل هو على شرعية سياسية قد تُعيده إلى المشهد ولو بشكل جزئي، بعد أن فشل عسكرياً في كسر الجيش النظامي واستنزف كل أوراقه القبلية والعسكرية.

أما الإمارات، فإن موقفها يعبّر عن عمق ارتباطها بمشروع التقسيم في السودان، وتماهيها الكامل مع المصالح الإسرائيلية، التي تتطلب تدمير كل ما يشكّل دعامة للمقاومة أو الاستقرار في الإقليم. 

إن استخدام “اللاجئ الفلسطيني” كورقة مساومة ليس جديداً في سياسات الأنظمة المتحالفة مع الاحتلال، لكنه بلغ اليوم مرحلة أكثر بشاعة حين يتم ربطه بزعيم ميليشيا متهم بارتكاب جرائم ضد المدنيين.

بين التهجير والتدويل.. أي مستقبل للسودان وفلسطين؟

إن ما يجري خلف الكواليس، من محاولات إعادة تدوير حميدتي عبر البوابة الأمريكية، بدعم إماراتي، يكشف حجم التآمر على مستقبل السودان واستقرار فلسطين. 

هذه المقايضة غير الأخلاقية بين أرض دارفور ودماء غزة تمثل مؤشراً خطيراً على أن مشروع “السلام الإبراهيمي” لم يتوقف عند حدود التطبيع، بل تمدد ليشمل الهندسة السكانية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة على مقاس المصالح الإسرائيلية.

فهل تصمت الخرطوم على هذا المخطط؟ وهل تتنبه الفصائل الفلسطينية إلى أن تهجيرها لم يعد فقط تهديداً إسرائيلياً، بل مخططاً تتبناه أطراف عربية؟

المعركة اليوم ليست فقط عسكرية، بل وجودية، تتطلب فضح هذه المشاريع وإسقاطها قبل أن تصبح واقعاً لا رجعة فيه؟

اقرأ أيضًا : رغم الدعم الإماراتي وجرائم الإبادة.. الجيش السوداني يستعيد الدبيبات