في الوقت الذي تسعى فيه العاصمة السودانية الخرطوم لبلسمة جراحها واستعادة عافيتها التجارية عقب استعادة الجيش السوداني السيطرة على مفاصلها، تواجه الأسواق أزمة طاقة خانقة تحولت إلى “مقصلة” حقيقية تلتهم أرباح التجار وتدفع بالقطاع الاقتصادي نحو الشلل.
ويعود هذا التدهور الكارثي في قطاع الطاقة مباشرة إلى حجم الدمار الممنهج والنهب والقرصنة التي مارستها ميليشيا الدعم السريع المتمردة، المدعومة ماليّاً وعسكريّاً من دولة الإمارات والتي تعمدت طوال فترة استباحتها للمدن ضرب البنية التحتية وتحويل منشآت الكهرباء الحيوية إلى ركام، لإغراق السودان في الفوضى والظلام التام.
وفي قلب سوق أم درمان العريق، يواجه تجار اللحوم والمواد الغذائية خسائر يومية باهظة تقدر بقرابة 3 ملايين جنيه سوداني (نحو 5 آلاف دولار وفقاً للسعر الرسمي) جراء تلف البضائع والمجمدات.
فالكهرباء التي كانت تمثل الشريان الأساسي لحفظ المنتجات وضمان استمرار الحركة الشرائية، بات غيابها المتواصل لمدد تتراوح بين 8 إلى 10 ساعات يومياً عبئاً يثقل كاهل التجار ويجبرهم على رهن أعمالهم لحلول بديلة ومكلفة جداً كالمولدات التي تستهلك الوقود بأسعار فلكية.

دمار كامل وتخريب البنية التحتية بأيدي عصابات “حميدتي”
وتجاوزت الأزمة حدود تلف السلع لتطال المعدات والثلاجات ذاتها؛ حيث تكبد أصحاب المحال التجارية تكاليف صيانة وإصلاح باهظة تقدر بحوالي مليون جنيه نتيجة تذبذب التيار الكهربائي وانقطاعه المفاجئ، مما دفع بالكثيرين إلى التوقف تماماً عن توفير مشتقات الألبان والمواد التي تعتمد على التبريد المستمر لتفادي مخاطر الخسارة. وتزامن ذلك مع قفزات جنونية غير مسبوقة في الأسعار؛ إذ تجاوز سعر كيلو اللحم العجالي 40 ألف جنيه، بينما وصل كيلو الضأن إلى نحو 50 ألف جنيه، بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل البديلة ونقص السيولة بعد قرارات تبديل العملة.
ومن جهته، كشف المدير العام للشركة السودانية للكهرباء، عبد الله أحمد محمد، عن حجم التدمير المرعب الذي ألحقته الحرب المندلعة منذ أبريل/ نيسان 2023 بالقطاع؛ موضحاً أن هجمات الميليشيا الإماراتية المتمردة أخرجت محطات رئيسية بالعاصمة الخرطوم عن الخدمة بشكل كامل بنسبة تلف بلغت 100%. كما قامت العصابات بتدمير ونزع نحو 15 ألف محول كهربائي، ونهب كميات ضخمة من الكابلات الأرضية والجوية لاستخراج مادة النحاس وتهريبها، فضلاً عن تخريب 1500 كيلومتر من خطوط النقل الرئيسية، بكلفة تدميرية إجمالية بلغت في العاصمة وحدها نحو 3 مليارات دولار.
مقصلة الطاقة وحلول بديلة تثقل كاهل المواطن المستهلك
ويرى الخبير الاقتصادي، محمد الناير، أن أزمة الطاقة باتت تلتهم القطاع التجاري من مسارين: تلف السلع المباشر بسبب الحرارة، وتحمل كلفة تشغيلية بديلة ومرهقة عبر المولدات التي تتراوح أسعار شرائها بين نصف مليون و20 مليون جنيه، وتصل كلفة إيجارها اليومي إلى 50 ألف جنيه. ودعا الناير الدولة إلى الإسراع في معالجة الإمداد وعمل صيانة طارئة، مع تسهيل إجراءات إدخال منظومات الطاقة الشمسية وإعفائها من الجمارك كخيار عملي لإنقاذ المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتخفيف الضغط المعيشي عن المواطنين، في ظل انخفاض معدل التضخم إلى نحو 40% في مارس/ آذار 2026.
وفي الخلاصة، فإن الظلام الذي يلف أسواق الخرطوم وأم درمان والشلل الذي يصيب الصيدليات ومحال الأغذية، يمثل فاتورة دموية وتخريبية أخرى يدفعها الشعب السوداني من أمنه وقوته اليومي جراء الإجرام الإماراتي؛ إن تعمد ميليشيا الدعم السريع تفكيك محولات الكهرباء وصهر كابلات النحاس لم يكن سلوكاً عشوائياً، بل خطة ممنهجة أشرفت عليها عاصمة التطبيع (أبوظبي) لتجفيف منابع الحياة في السودان وسحق مؤسساته الخدمية. وستبقى مطارق الصيانة التي يحملها المهندسون السودانيون لإعادة النور إلى الأسواق صوتاً لرفض الوصاية، ودليلاً على أن إرادة البناء والاستقرار لدى الشعب والجيش السوداني أقوى من ماكينات الهدم والمؤامرات الخارجية.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين