في ظل قبضة أمنية لا تفرق بين صاحب حق ومدافع عنه، وفي وقت تحولت فيه منصات القضاء إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية، كشف المحامي المصري البارز منتصر الزيات عن فصول جديدة من المعاناة التي يعيشها المعتقلون في سجون النظام المصري. هذه الشهادة، التي خرجت من أروقة “محكمة سجن بدر”، لم تكن مجرد رصد لحالات فردية، بل صرخة في وجه إجرام ممنهج يمارسه نظام عبد الفتاح السيسي ضد الدائرة القانونية والحقوقية في مصر، بهدف كسر إرادة كل من يجرؤ على المطالبة بالعدالة أو تمثيل المظلومين.

محامون خلف القضبان: عندما يصبح الدفاع تهمة
كشف الزيات عبر حسابه الشخصي عن واقع مرير يواجهه زملاؤه في المهنة، الذين تحولوا من مدافعين عن الحريات إلى ضحايا لآلة “الحبس الاحتياطي” التي لا تنتهي. تحدث الزيات عن الزميل أسامة بيومي، المحبوس احتياطياً منذ عام 2021، والذي يُساق إلى المحاكمات دون أن يتمكن زملاؤه أو عائلته من رؤيته أو التواصل معه بشكل آدمي.
هذا التغييب القسري تحت غطاء قانوني مشوه يثبت أن النظام لا يكتفي بسجن الجسد، بل يسعى لعزل المعتقل عن عالمه الخارجي تماماً. إن بقاء محامٍ في الحبس الاحتياطي لأكثر من ثلاث سنوات هو جريمة قانونية مكتملة الأركان، تضرب عرض الحائط بكل نصوص الدستور المصري والمواثيق الدولية، وتكشف زيف الادعاءات الرسمية حول “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”.
أحمد نظير الحلو: الشلل كشاهد على الإهمال الطبي
المأساة الأكثر إيلاماً في شهادة الزيات كانت تتعلق بالمحامي أحمد نظير الحلو، المعتقل منذ عام 2022. كشف الزيات أن الحلو أصيب بشلل داخل محبسه، وبات اليوم قعيداً على كرسي متحرك. هذه الحالة تختصر السياسة الانتقامية التي تنتهجها إدارة السجون بتوجيهات سيادية؛ حيث يُترك المعتقل فريسة للأمراض وظروف الاحتجاز القاسية حتى يفقد قدرته على الحركة أو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
إن تحول محامٍ شاب ومعروف من الحركة والنشاط إلى الشلل التام نتيجة ظروف الاعتقال هو “قتل بطيء” يُمارس بدم بارد. ويعكس هذا الوضع انعدام الرقابة القضائية على السجون، وتحولها إلى “مقابر للأحياء” يُمنع فيها العلاج ويُحرم فيها السجين من أبسط الحقوق الإنسانية، في إجرام لم تشهده مصر في أحلك عصورها الاستبدادية.
سجن بدر: مسرح “اللا عدالة” والعبث القانوني
روى الزيات موقفاً تجسدت فيه سريالية القضاء في عهد السيسي؛ حيث توجه إلى محكمة سجن بدر للدفاع عن شاب في العشرين من عمره، يقبع في السجن وحيداً منذ عامين. ورغم جهوزية الدفاع وحرص المتهم على إنهاء مأساته، فُوجئ الجميع بأن النيابة العامة “غير جاهزة للمرافعة”.
هذا التعطيل المتعمد من قبل النيابة، وهي الخصم والحكم في آن واحد، يوضح كيف يتم التلاعب بآجال التقاضي لإطالة أمد المعاناة. إن إحضار متهم وحيداً من محبسه ثم تأجيل قضيته لعدم جاهزية النيابة هو استهتار بحياة البشر واستنزاف لأعمار الشباب خلف القضبان دون وجه حق. سجن بدر، الذي روج له النظام كنموذج للمؤسسات الإصلاحية الحديثة، أثبت بشهادة الزيات أنه ليس سوى واجهة متطورة لمنظومة قمعية غاشمة.
عجز النقابة وتغول السلطة
أعرب الزيات عن شعوره بـ “العجز” عن تقديم الدعم المناسب لزملائه، وهي جملة تلخص حال الجماعة القانونية في مصر اليوم. ففي ظل تغول الأجهزة الأمنية، باتت نقابة المحامين والتحركات الرسمية مشلولة تماماً، وغير قادرة على حماية أعضائها من بطش السلطة. هذا العجز ليس ناتجاً عن تقصير فردي، بل هو نتاج لبيئة سياسية “إجرامية” خنق فيها السيسي كل منافذ الحوار القانوني، وحول المحاماة من “رسالة” إلى “مخاطرة” قد تؤدي بصاحبها إلى الكرسي المتحرك أو القبر.
خاتمة: صرخة في وادي الصمت
إن ما كشفه منتصر الزيات يضع الضمير العالمي والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولياتها تجاه ما يحدث في سجون السيسي. إن التنكيل بالمحامين مثل أسامة بيومي وأحمد نظير الحلو هو رسالة ترهيب لكل المجتمع: “لا أحد فوق القمع”.
تظل هذه الشهادات وثيقة تاريخية تدين إجرام النظام الذي استباح كرامة الإنسان المصري، وحول العدالة إلى أداة لترسيخ حكم الفرد. إن دماء المعتقلين وآلام المشلولين خلف القضبان ستبقى لعنة تطارد هذا النظام، وصرخة الزيات هي تذكير بأن الحق لا يموت بالتقادم، وأن جدران السجون، مهما علت، لن تحجب شمس الحقيقة عن العالم.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين