في حلقة جديدة من مسلسل التصفية الممنهجة للأصوات الحرة، وتحت غطاء القضاء الذي بات أداة طيعة في يد السلطة، ثبتت محكمة الاستئناف في تونس يوم الثلاثاء حكماً جائراً بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف بحق الصحفيين البارزين مراد الزغيدي وبرهان بسيس. هذا الحكم الذي يأتي في سياق حملة تنكيل واسعة يقودها الرئيس قيس سعيد ضد كل من يجرؤ على انتقاد نهجه الأحادي، يعكس بوضوح تحول الدولة التونسية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية تحت ستار “القانون”.

فبركة التهم: من “الانتقاد” إلى “تبييض الأموال”
بدأت فصول هذا التنكيل في مايو 2024، حين زُج بالصحفيين في السجن بسبب تصريحات إذاعية وتلفزيونية اعتُبرت منتقدة لسياسات قيس سعيد. وبينما كان من المقرر الإفراج عنهما في يناير 2025 بعد قضاء ثمانية أشهر، سارعت السلطة إلى “هندسة” ملاحقات جديدة بتهم فضفاضة مثل “تبييض الأموال” و”التهرب الضريبي”، لضمان بقائهما خلف القضبان لأطول فترة ممكنة.
وخلال جلسات المحاكمة، ظهرت هشاشة التهم الكيدية بشكل فاضح؛ حيث استجوب القاضي الزغيدي وبسيس عن ممتلكاتهما، ليأتي الرد الصاعق من الزغيدي: “صفر، لا أملك عقارات ولا مجوهرات ولا سيارات فارهة”. هذا التناقض الصارخ بين واقع الصحفيين الذين لا يملكون شيئاً وبين تهم “تبييض الأموال” يؤكد أن الهدف ليس مكافحة الفساد، بل معاقبة الألسنة التي لم تسبح بحمد “العهد الجديد”.
إجرام قضائي يضرب عرض الحائط بالحقائق
رغم التحقيقات الماراثونية التي استمرت 23 شهراً وشملت “الإنتربول” والبنك المركزي وسلطات أوروبية، أكدت منظمات دولية مثل “مراسلين بلا حدود” عدم وجود أي عنصر جدي يدين الصحفيين. فلا تدفقات مشبوهة، ولا أصول مخفية، ومع ذلك، أصر القضاء التونسي على تثبيت العقوبة، مما يثبت أن منصة القضاء أصبحت “غرفة عمليات” تابعة لقصر قرطاج لتشريع التنكيل بالمعارضين.
ووصف الدفاع الحكم بأنه “مخيب” ومجرد من أي سند قانوني، حيث طالبت هيئة الدفاع بإطلاق سراحهما فوراً لعدم وجود وجه للملاحقة، مشيرة إلى أن التهمة الحقيقية هي “النجومية والتأثير” الذي كان الصحفيان يمارسانه لتنوير الرأي العام، وهو ما يراه نظام قيس سعيد خطراً وجودياً على مشروعه الاستبدادي.
تكميم الأفواه.. استراتيجية سعيد للبقاء
لا يقتصر هذا التنكيل على الزغيدي وبسيس؛ فقد طالت مقصلة سعيد صحفيين آخرين مثل زياد الهاني، الذي حُكم عليه بالسجن سنة نافذة بتهمة “الاعتداء على الغير” لمجرد انتقاده للقضاة. هذه السلسلة من الأحكام تهدف إلى خلق مناخ من الرعب العام وتجفيف منابع النقد في الفضاء الإعلامي التونسي.
إن استهداف الصحفيين عبر تهم أخلاقية ومالية مفبركة هو أسلوب قديم متجدد تستخدمه الأنظمة القمعية لتشويه سمعة المعارضين قبل سجنهم. وفي تونس اليوم، أصبح انتقاد قيس سعيد تذكرة مجانية نحو غياهب السجون بتهم يتم تفصيلها وفق هوى السلطة، في ظل تراجع كامل لمكتسبات حرية التعبير التي كانت يوماً فخر الثورة التونسية، ليحل محلها قانون الغاب الذي يشرعن التنكيل والظلم الممنهج.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين