تكشف مواد “ملفات إسرائيل” صورة شديدة الدلالة عن دولة احتلال بدت، لسنوات، مرعوبة من مسار قضائي بدأ من بلجيكا، لا لأنه كان يحمل قوة عسكرية أو ضغطًا سياسيًا مباشرًا، بل لأنه فتح بابًا طالما خشيت إسرائيل أن يُفتح أمام مسؤوليها: باب الملاحقة القانونية الدولية. فالقضيتان اللتان رُفعتا في بلجيكا ضد مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى لم تكونا مجرد شكاوى عابرة في أرشيف المحاكم، بل تحوّلتا إلى مصدر قلق داخل الإدارة الإسرائيلية، ودفعَتاها إلى تحريك شبكة واسعة من الضغط والتأثير، بهدف تغيير المسار القضائي، وإخماد الملفات، ومنعها من الوصول إلى نتائج قد تطال أسماء بارزة في الحكم والجيش.
ما تكشفه هذه الوثائق، وفق التحقيق الذي حمل عنوان “Israel Files” ونشره موقع Le Soir بالتعاون مع شبكة European Investigative Collaborations، ليس مجرد متابعة دبلوماسية لقضية قانونية، بل نمط مزدوج من التحرك الإسرائيلي. فمن جهة، جرى توظيف شكل قوي للغاية من الدبلوماسية القضائية تجاه بلجيكا، وقضاتها، ودبلوماسييها، وحتى رئيس وزرائها آنذاك شارل ميشيل، المنتمي إلى حركة الإصلاح. ومن جهة أخرى، جرى التواصل مع قضاة من أجل الحصول على معلومات حول التحقيقات الجارية، عبر فريق من المحامين البلجيكيين بقيادة ميشيل هيرش، وكل ذلك في ظروف تثير أسئلة خطيرة حول حدود النفوذ الإسرائيلي داخل المسارات القضائية الأوروبية.
بداية هذه الهزة كانت في 23 يونيو/حزيران 2010، حين لم يكن الطبيب “E.O.” يدرك حجم الأزمة التي سيضعها في طريق الدولة الإسرائيلية. في ذلك اليوم، تقدّم محامياه جورج-هنري بوثييه وأليكسيس ديسواف بشكوى أمام النيابة الفدرالية البلجيكية باسم هذا المواطن البلجيكي الفلسطيني، استنادًا إلى قانون “الاختصاص العالمي”، الذي يسمح لبلجيكا بملاحقة أشخاص يُشتبه في ارتكابهم انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، حتى إذا وقعت الأفعال المزعومة خارج الأراضي البلجيكية.
كانت الشكوى تتعلق بتدمير أرض يملكها الطبيب الفلسطيني بشكل مشترك في قطاع غزة، قال إنها تعرضت للتدمير خلال عملية “الرصاص المصبوب”، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 1,400 شخص في عامي 2008 و2009. ووفق روايته، فإن الجيش الإسرائيلي قصف قطعة الأرض، ودمر عددًا من المنشآت الموجودة فيها، واقتلع أو دمر 110 أشجار، ثم نشر الفوسفور في المكان، ما جعل الأرض غير صالحة للزراعة.
هذه القضية، التي عُرفت باسم ملف “بستان الزيتون”، لم تستهدف أسماء هامشية، بل طالبت بملاحقة أربعة عشر من كبار المسؤولين الإسرائيليين. ومن بين الأسماء الواردة فيها إيهود أولمرت وإيهود باراك، وكلاهما تولّى رئاسة الوزراء في إسرائيل، إلى جانب وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، ويوآف غالانت، الذي كان في ذلك الوقت جنرالًا سابقًا. وبذلك تحوّلت شكوى مرتبطة بقطعة أرض مدمرة في غزة إلى ملف قادر على فتح باب المساءلة أمام شخصيات من الصف الأول في المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
ولم يكن هذا الملف وحده. ففي 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2010، قُدّمت شكوى ثانية أيضًا على أساس الاختصاص العالمي، هذه المرة من المحامية جوك كاليوارت، باسم أربعة بلجيكيين شاركوا قبل أشهر في أسطول إنساني كان متجهًا إلى غزة، قبل أن تعترضه القوات الإسرائيلية في عملية أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص. في هذه القضية، وُجهت اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة إلى جنرال إسرائيلي ونائب أميرال إسرائيلي، إضافة إلى إيهود باراك.
بعد ستة عشر عامًا على الوقائع، تبدو هاتان القضيتان بالنسبة لكثيرين كأنهما سقطتا في النسيان. لكن هذا النسيان الظاهري لا يلغي حقيقة أن إحداهما لا تزال قيد التحقيق، وهي قضية “بستان الزيتون”، بينما انتهت الثانية إلى قرار بعدم وجود وجه للمتابعة في ديسمبر/كانون الأول 2024. غير أن الأهم ليس فقط مآل القضيتين، بل ما تكشفه الوثائق عن سنوات طويلة من القلق الإسرائيلي والعمل المنظم لإطفاء هذا الخطر القانوني قبل أن يتحول إلى سابقة تفتح الباب أمام ملفات أخرى.
فخلال سنوات، فعلت إسرائيل كل ما بوسعها لخنق هذه التهديدات القضائية. لم تتعامل معها كإجراءات قانونية طبيعية في دولة أوروبية، بل كخطر استراتيجي يمس صورة كبار مسؤوليها وحصانتهم الفعلية من الملاحقة. ومن هنا تأتي أهمية “ملفات إسرائيل”، لأنها لا تعرض فقط وجود شكاوى ضد مسؤولين إسرائيليين، بل تكشف الجهود التي بُذلت خلف الكواليس للتأثير في مسار العدالة نفسها.
ويستند هذا التحقيق إلى عشرات الوثائق السرية المسربة من داخل الإدارة الإسرائيلية، ضمن تسريب ضخم يضم أكثر من مليوني بريد إلكتروني ووثيقة من وزارة العدل الإسرائيلية، ويغطي بصورة رئيسية الفترة الممتدة بين عامي 2009 و2023. ووفق تحليل أجراه مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، فإن هذه المواد “لا تُظهر أي علامة واضحة على التزوير”. وهذا يمنح المواد أهمية استثنائية، لأنها لا تستند إلى تقديرات خارجية أو اتهامات سياسية عامة، بل إلى وثائق داخلية تكشف طريقة تفكير الإدارة الإسرائيلية وتحركاتها.
وتأتي هذه المادة بوصفها مدخلًا لسلسلة مقالات مبنية على تحقيقات استقصائية فرنسية وأوروبية، ستكشف تباعًا جوانب إضافية من أساليب إسرائيل في ملاحقة خصومها، ومحاولة نزع الشرعية عن الحركات المناهضة لها، والتدخل في المسارات السياسية والقانونية عندما تصبح هذه المسارات مصدر تهديد حقيقي. فقد سبق أن كشف Le Soir في ديسمبر/كانون الأول 2025، اعتمادًا على التسريب نفسه، كيف ساعد مكتب محاماة بلجيكي إسرائيل في تنفيذ تحركات تستهدف نزع الشرعية عن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، المعروفة باسم BDS.
القيمة الأخطر في هذه الملفات أنها تكشف إسرائيل في لحظة ضعف لا في لحظة قوة. فالدولة التي تحاول دائمًا تقديم نفسها بوصفها فوق المحاسبة، والمحمية سياسيًا وقانونيًا من أي ملاحقة جدية، بدت في هذه الوثائق قلقة من قاضٍ، ومن شكوى، ومن ملف تحقيق، ومن احتمال أن يتحول القانون الأوروبي إلى ساحة لا تستطيع السيطرة عليها بالكامل. لذلك لم يكن ردها قانونيًا فقط، بل دبلوماسيًا وسياسيًا وقضائيًا، عبر محاولات ضغط واتصال وجمع معلومات، في مشهد يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى ذهبت إسرائيل لحماية مسؤوليها من العدالة؟
بهذا المعنى، لا تتعلق “ملفات إسرائيل” بقضيتين بلجيكيتين فقط، بل تكشف بنية كاملة من النفوذ والتحرك المضاد للمساءلة. إنها قصة دولة تخشى أن تتحول جرائم غزة والاعتداء على قوافل المساعدات الإنسانية إلى ملفات قضائية مفتوحة في أوروبا، وتخشى أكثر أن يجد الضحايا، ولو بعد سنوات، طريقًا إلى محكمة قادرة على تسمية المسؤولين وفتح التحقيقات. ومن هنا، فإن ما جرى في بلجيكا لم يكن تفصيلًا قانونيًا منسيًا، بل نموذجًا كاشفًا عن حرب إسرائيل الخفية ضد العدالة الدولية.