خرج المنتج التنفيذي السابق لبرنامج التحقيقات الشهير “60 دقيقة” بيل أوينز، عن صمته بعد استقالته المفاجئة في أبريل الماضي، ليكشف ما وصفه بأنه رقابة مؤسسية منظمة داخل الإعلام الأميركي تهدف إلى حماية المصالح السياسية والاقتصادية لشركات الإعلام الكبرى، ومنع أي تغطية محرجة لإسرائيل أو للرئيس دونالد ترامب.
قال أوينز، الذي شغل منصبه في شبكة CBS News منذ عام 1988 وتولى إدارة البرنامج عام 2019، إن رؤساءه في الشركة المالكة Paramount Global مارسوا ضغوطًا مباشرة عليه لوقف تغطية الحرب الإسرائيلية على غزة، بعد بث حلقة في يناير الماضي تضمنت مقابلات مع مسؤولين سابقين في وزارة الخارجية الأميركية استقالوا احتجاجًا على سياسة إدارة جو بايدن تجاه الحرب.
وأوضح أوينز أن الحلقة أثارت غضب منظمات موالية لإسرائيل، وأزعجت المليارديرة شاري ريدستون، المالكة والمتحكمة في شركة Paramount، والمعروفة بدعمها القوي لإسرائيل. وقال خلال حفل أقيم في كلية كولبي بولاية مين الأميركية، حيث تسلم جائزة “الشجاعة في الصحافة”:
“لم يعجبها التقرير. وبعدها وصلني السؤال عبر القنوات الرسمية: لن تقوموا بقصة أخرى عن غزة، أليس كذلك؟“
وأشار إلى أن الرسالة لم تأتِ مباشرة من ريدستون، بل نُقلت إليه عبر مسؤولين كبار في الشركة، في تلميح واضح إلى أن التوجيهات كانت سياسية بقدر ما هي تجارية. وأضاف:
“عندما قررت أننا سننتج موضوع آخر عن غزة، كان ذلك كمن يضرب عشّ دبابير.”
أوينز رفض الاتهامات التي وُجهت إلى البرنامج بأنه يفتقر إلى “التوازن”، وقال إن الصحافة الحقيقية لا يمكن أن تكون متوازنة مع الجريمة أو الإبادة، وإن مهمته كانت عرض الحقيقة، لا إرضاء الممولين أو المساهمين.
لكن القيود لم تقتصر على غزة فحسب، بل طالت تغطية دونالد ترامب أيضًا. وأوضح أوينز أن الإدارة العليا كانت حذرة من أي تناول مباشر لترامب، خوفًا من رد فعله أو تأثيره على سمعة الشركة. وأضاف: “تلقيت مكالمة من وسيط يقول لي: هل من الضروري أن يُذكر اسم ترامب كل هذا القدر؟“
كما أشار إلى أنه تعرّض لضغط مباشر للاعتذار بعد الجدل الذي أثارته مقابلة نائبة الرئيس كامالا هاريس، عقب اتهام المحافظين للبرنامج بالتحيّز في طريقة المونتاج، وهي الأزمة التي تبعها دعوى قضائية بقيمة عشرة مليارات دولار رفعها ترامب ضد الشبكة. لكن أوينز رفض تمامًا فكرة الاعتذار، قائلًا:
“قلت لهم بوضوح: لن أعتذر عن شيء لم نخطئ فيه. لم نفعل شيئًا خاطئًا. برنامج 60 دقيقة لم يكن مثاليًا يومًا، لكنه دائمًا واجه أخطاءه بشجاعة.”
وأضاف أنه بعد تلك المواجهة أدرك أن وجوده في منصبه لم يعد ممكنًا، فاختار الرحيل. وقال:
“الشيء الوحيد الذي استطعت فعله هو أن أفجّر نفسي مهنيًا، لأحدث ضجيجًا كافيًا يدفع الناس إلى الانتباه لما يحدث.”
وصف أوينز ما واجهه بأنه شكل من أشكال الرقابة المؤسسية الخفية، خاصة في ظل سعي شركة Paramount إلى نيل موافقة لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) التي كان يرأسها آنذاك بريندان كار، وهو شخصية مقرّبة من ترامب، للموافقة على اندماج الشركة مع Skydance Media. وقال إنه شعر بأن الإدارة كانت تحمّله مسؤولية أي خطر قد يهدد الصفقة إذا استمرت التغطية “المزعجة” عن غزة أو ترامب.
بعد استقالته، حاول بعض العاملين في البرنامج التضامن معه عبر الاستقالة الجماعية، لكنه رفض قائلاً لهم:
“لا، اجلسوا. يجب أن يبقى البرنامج حيًّا مهما حدث.”
الانقسامات داخل CBS News لم تتوقف عند رحيله، إذ تلتها استقالة ويندي ماكماهون، إحدى القيادات البارزة في الشبكة، في مايو، احتجاجًا على طريقة تعامل الشركة مع قضية تسوية الدعوى القضائية مع ترامب. ورغم أن ريدستون أعلنت رسميًا تنحيها عن مفاوضات التسوية، فإنها كانت قد أبلغت مجلس إدارة Paramount بدعمها لفكرة إغلاق الملف.
وفي يوليو، قررت الشركة بالفعل تسوية القضية دون تقديم اعتذار رسمي لترامب، وهو ما اعتبره أوينز تنازلًا فاضحًا عن استقلال الصحافة الأميركية أمام المال والسلطة.
أثناء حفل تسلّمه الجائزة، أجرَت معه الإعلامية أمنا نواز من شبكة PBS NewsHour حوارًا مباشرًا سألته فيه عمّا إذا كان يندم على الاستقالة، فأجاب: “ربما كنت أستطيع البقاء، لكن الثمن كان أن أصمت. وأنا لم أتعلم الصمت.”
وأضاف أوينز أن تعيين باري وايس رئيسة تحرير جديدة لشبكة CBS يثير قلقه، لأنها ليست صحفية ميدانية بل كاتبة رأي سابقة، محذرًا إياها من المساس باستقلال برنامج 60 دقيقة الذي وصفه بأنه “أعظم مؤسسة صحفية تلفزيونية في تاريخ أميركا”.
رغم صراحته، أكد أوينز أنه لا ينوي التقاعد، قائلاً للجمهور: “سأعود إلى الميدان. أنا بالفعل أتحدث مع مؤسسات تمويل صحفي لأبدأ من جديد.”
الجائزة التي نالها تحمل اسم الناشر المناهض للعبودية إليجاه لوفجوي، الذي قُتل عام 1837 أثناء دفاعه عن حرية الصحافة. وقال أوينز في كلمته الختامية:
“لا أظن أنني أستحق هذه الجائزة، لكنني أرى أن أكبر خطر يواجه هذا البلد اليوم هو اللامبالاة والجبن. عليك أن تختار: إما أن تفعل الصواب وتتحمل العواقب، أو تصمت وتعيش مع العار.”
من جانبها، رفضت شركة Paramount التعليق على تصريحات أوينز، بينما يرى مراقبون أن تصريحاته تكشف الوجه الحقيقي لتحالف المال والإعلام والسياسة في الولايات المتحدة، حيث تُكمَم الأفواه لا باسم القانون، بل باسم “المصالح”.