نكشف هذا التقرير، استنادًا إلى تحليل معمّق لمصادر مفتوحة وتحقيقات أكاديمية وإعلامية متقاطعة، عن وجود منظومة دعائية إماراتية منظمة تنشط في بريطانيا وأوروبا، تعمل بصورة منسّقة على تشويه مسلمي أوروبا، وشيطنة تيار الإسلام السياسي بوصفه تهديدًا أمنيًا وحضاريًا، مع تبنٍ شبه كامل للسرديات الأمنية الإسرائيلية وخطاب اليمين الأوروبي المتطرف. لا يُمكن النظر إلى هذه الأنشطة بوصفها مواقف فردية أو اجتهادات فكرية معزولة، بل باعتبارها عملية تأثير عابرة للحدود، ذات بنية تشغيلية واضحة، وأهداف سياسية محددة، وأدوات تنفيذ متعددة.
تزامن ظهور هذه المنظومة مع قرارات إماراتية رسمية ذات دلالة سياسية، من بينها استبعاد الجامعات البريطانية من برامج الدعم التعليمي الحكومي بذريعة «مخاوف من التطرف الإسلامي»، في وقت أُدرجت فيه جامعات في إسرائيل ودول غربية أخرى ضمن القوائم المعتمدة. ورغم حق الدول في توجيه سياساتها التعليمية، فإن تسويغ القرار بخطاب تحريضي عام ضد المسلمين في بريطانيا وأوروبا يضعه في سياق أوسع من السياسات الدعائية التي تستهدف الجاليات المسلمة وتتماهى مع أطروحات اليمين المتطرف.
تتكوّن هذه المنظومة من مجموعة من الأفراد الذين يقدّمون أنفسهم كمحللين وباحثين مستقلين في مجالات السياسة والأمن والبيئة والعلاقات الدولية، غير أن التحليل المقارن لمحتواهم الرقمي يُظهر تطابقًا لافتًا في اللغة والسرديات ونقاط الحديث، بما ينفي فرضية الاستقلالية. وقد برز هؤلاء بشكل متزامن تقريبًا في نهاية عام 2024 وبداية عام 2025، من خلال حسابات حديثة أو معاد تفعيلها على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة «إكس»، مع نشاط مكثف في إنتاج محتوى مرئي ومكتوب يخدم الرسالة نفسها.
يقف في قلب هذه الشبكة أمجد طه، الذي يعرّف نفسه بوصفه محللًا سياسيًا، بينما تشير المعطيات إلى أدائه دور المنسّق المركزي ومدير غرفة العمليات الدعائية. يرتبط طه بشركة إعلانية تحمل اسم Crestnux Media، تُستخدم كذراع للترويج المدفوع، وإدارة حملات التضخيم، وربط الحسابات المختلفة ضمن منظومة واحدة. يُنتَج المحتوى الأساسي عبر حساباته أو تحت إشرافه، ثم يُعاد نشره بصيغ متقاربة عبر بقية الحسابات، في نمط يعكس قيادة مركزية لا لبس فيها. يتمحور هذا المحتوى حول تبرير الجرائم الإسرائيلية بوصفها «دفاعًا عن الغرب»، وربط مسلمي أوروبا والهجرة بالإرهاب وعدم الاستقرار، وتقديم اليمين الأوروبي الجديد باعتباره الحامي الحقيقي للقارة.
إلى جانب طه، تضم المنظومة أسماء إماراتية أخرى تشكّل النواة التنفيذية، من بينها روضة الطنيجي، مريم المزروعي، عبيد الزعابي، عبد القادر المنهالي، ميرا زايد، وماجد السعيدي. ورغم اختلاف التخصصات المعلنة لكل منهم، فإن مخرجاتهم الإعلامية تتطابق في الجوهر، وتعيد إنتاج السرديات نفسها، مع تركيز هوسي على شيطنة تيار الإسلام السياسي، وتحويل المسلمين في أوروبا إلى إطار تفسيري شامل تُقرأ من خلاله قضايا الهجرة والأمن والاندماج وحتى الأزمات البيئية.
تعتمد هذه المنظومة على أساليب تشغيل صناعية، لا فردية. فقد رُصد إنتاج محتوى مرئي بخلفيات وإعدادات تقنية متطابقة، ما يرجّح تصويره في استوديو واحد مرتبط بمنصة إعلامية إماراتية، مع توحيد الشكل البصري واللغة ونقاط الحديث. كما جرى توثيق نشر كتب باللغة الإنجليزية خلال فترة زمنية قصيرة عبر دار نشر واحدة بنظام الطباعة حسب الطلب، تحمل هذه الكتب سمات واضحة لنصوص مولّدة بالذكاء الاصطناعي، من حيث غياب المراجع العلمية والبنى النمطية المتكررة، ويُراد منها صناعة صورة «الخبير المنشور» أمام المؤسسات الإعلامية ومراكز الفكر الغربية.
ولا يقتصر النشاط على الفضاء الرقمي، بل يمتد إلى شبكة من المواقع التي تقدّم نفسها كمنصات إخبارية أو تحليلية مستقلة، من بينها The Washington Eye وDaily Euro Times وBrieflex وAfricaLix وInfoFlix وEuroPost وNew York Insight. تشترك هذه المواقع في خصائص متشابهة، أبرزها التسجيل في فترات زمنية متقاربة، وغياب أي هياكل تحريرية شفافة، والاعتماد على محتوى منخفض الجودة أو مولّد بالذكاء الاصطناعي، ونشر مواد بلا مصادر واضحة. تؤدي هذه المنصات دورًا محوريًا في ما يمكن تسميته «غسل السرديات»، أي تحويل خطاب سياسي موجّه إلى مادة تبدو صحفية ومحايدة شكليًا، ثم إعادة تدويرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مصادر موثوقة.
تُظهر الوقائع كذلك تقاطعًا واضحًا بين هذه المنظومة ومنصات يمينية أوروبية معادية للمسلمين والهجرة، أبرزها منصة Visegrad24، التي أطلقت نسخة مخصّصة للشرق الأوسط بمشاركة مباشرة من أفراد الشبكة. كما شارك هؤلاء في فعاليات ومؤتمرات داخل جامعات ومراكز أبحاث غربية، وفي منصات يمينية، بما يعكس استراتيجية متكاملة لنقل السرديات من الفضاء الرقمي إلى دوائر النخب وصنع القرار.
الرسالة النهائية التي تسعى هذه المنظومة إلى ترسيخها ثابتة رغم تعدد القوالب: إسرائيل تمثل خط الدفاع الأول عن «الحضارة الغربية»، اليمين الأوروبي هو الحامي لأوروبا، مسلمو أوروبا يشكّلون تهديدًا أمنيًا وحضاريًا، والإمارات تُقدَّم بوصفها العقل المنسّق لهذا التحالف. لا يقف هذا الخطاب عند حدود العداء لتيار سياسي بعينه، بل ينزلق إلى تحريض واسع ضد المسلمين كجماعة بشرية، ويبرّر جرائم حرب، ويقوّض أسس التعايش داخل المجتمعات الأوروبية.
يخلص هذا التقرير إلى أن ما يجري لا يمكن توصيفه كنقاش فكري أو اختلاف سياسي مشروع، بل كعملية دعاية منظمة عابرة للحدود، تستخدم مرتزقة إعلاميين، تضليلًا رقميًا، محتوى مولّدًا بالذكاء الاصطناعي، وواجهات صحفية زائفة، لتصدير خطاب كراهية يخدم السياسات الإماراتية ويمنح غطاءً أخلاقيًا للسرديات الإسرائيلية داخل الغرب. إن تجاهل مساءلة هذه المنظومة، ومن يقف خلفها، يفتح الباب أمام ترسيخ نموذج خطير من «التأثير المصنّع» الذي يهدد القيم الديمقراطية، ويحوّل الفضاء الإعلامي الغربي إلى ساحة مفتوحة للدعاية المتطرفة.