كشف تحقيق مطول لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية تفاصيل شبكة واسعة لتجنيد ونقل وتدريب مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع في السودان، مستندًا إلى شهادات مباشرة لمقاتلين، وسجلات سفر وهجرة، وقوائم ركاب، وصور ومقاطع مصورة، وبيانات لتتبع الهواتف، وشهادات من داخل السودان.
ويرسم التحقيق مسارًا يمتد من كولومبيا إلى الإمارات، ثم بوصاصو في الصومال والكفرة في ليبيا، وصولًا إلى نيالا والفاشر في دارفور، فيما قدّر مرتزقة تحدثوا للصحيفة عدد الكولومبيين الذين وصلوا إلى السودان بنحو ألفي مقاتل، بينهم عسكريون سابقون ومتخصصون في الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي والرادارات.
وفي قلب التحقيق تظهر شركة Global Security Services Group – GSSG، وهي شركة أمنية مقرها الإمارات قال المرتزقة إنهم تعاقدوا من خلالها، بينما نفت الإمارات والشركة أي علاقة بتجنيد المرتزقة أو تقديم دعم عسكري إلى أي من طرفي الحرب.
«المال الإماراتي يشتري الكثير من الضمائر»
يقدم التحقيق شهادات من مرتزقة شاركوا بأنفسهم في العمليات، من أبرزها شهادة مقاتل استخدم اسم «مانويل»، قال إن الإمارات هي الطرف الذي يضخ أكبر قدر من الأموال والموارد في الصراع، وإنها توفر السلاح لمليشيا الدعم السريع.
ولخص الرجل تجربته بجملة شديدة الدلالة:
«المال الإماراتي يشتري الكثير من الضمائر».
وبحسب التحقيق، دفعت الحاجة الاقتصادية والخبرة العسكرية آلاف الجنود الكولومبيين السابقين إلى العمل في سوق المرتزقة الدولية، بعدما تلقوا عروضًا عبر «واتساب» من زملاء سابقين وشبكات تجنيد.
وكان بعض هؤلاء من قدامى القوات الخاصة والجيش الكولومبي، فيما عمل آخرون سابقًا مع شركات أمنية في الشرق الأوسط أو ارتبطوا بعصابات المخدرات.
تدريب داخل الإمارات
من أبرز ما كشفه التحقيق شهادات ثلاثة كولومبيين قالوا إنهم تلقوا تدريبات داخل الإمارات قبل انتقالهم إلى السودان.
وقال أحدهم إن نحو 300 متخصص تلقوا خلال عام 2025 تدريبات سرية على تشغيل الطائرات المسيّرة والمدافع المضادة للطائرات والرادارات، وإن بعض المدربين ظهروا بملابس عسكرية إماراتية.
وأشار مقاتلون إلى قاعدة غياثي في أبوظبي باعتبارها أحد مواقع التدريب.
وقال أحد المرتزقة للصحيفة:
«لن تعرف أبدًا شيئًا عن الوحدات الإماراتية، فأنت لا تطرح أسئلة هناك».
كما قال كولومبي آخر إن تدريبه جرى «على أيدي عرب»، بينما أكد مرتزق سابق أن زملاء له تلقوا تدريبًا على المسيّرات في غياثي.
من قاعدة إماراتية إلى الفاشر
لم تعتمد «فايننشال تايمز» على الشهادات وحدها.
فقد استعانت بتحليل أجرته Conflict Insights Group لبيانات أجهزة وهواتف محمولة، أظهر حركة أجهزة ذات إعدادات باللغة الإسبانية بين مواقع في الإمارات وقواعد مدعومة إماراتيًا في بوصاصو والكفرة، ثم مطار نيالا ومواقع أخرى في دارفور.
وعثر الباحثون على أجهزة ظهرت داخل غياثي ثم انتقلت إلى السودان.
وأحد أكثر مسارات التتبع إثارة بدأ في كولومبيا، ثم ظهر الجهاز في قاعدة القوة البحرية في بوصاصو، وبعدها في مطار نيالا، قبل أن يصل إلى الفاشر خلال الأيام التي سقطت فيها المدينة في أكتوبر.
وبعد سقوط الفاشر، عاد الجهاز إلى نيالا.
وقال جاستن لينش، رئيس Conflict Insights Group، إن تحليل مجموعته يربط معسكر التدريب في أبوظبي بما حدث في الفاشر، معتبرًا أن مرتزقة تلقوا التدريب في الإمارات كانوا موجودين أثناء سيطرة الدعم السريع على المدينة.
شبكات «DRONES» و«AirDefense»
أظهرت البيانات أيضًا تفاصيل يصعب اعتبارها مصادفة عادية.
فقد اتصلت بعض الهواتف التي تحمل إعدادات إسبانية في دارفور بشبكات «واي فاي» تحمل أسماء مثل:
DRONES، وANTIAEREO أي «مضاد للطائرات»، وAirDefense أي «الدفاع الجوي»، وattacker أي «المهاجم».
كما اتصل أحد الأجهزة بشبكة تحمل اسم LOBOS DEL DISIERTO – ذئاب الصحراء، وهو الاسم الذي تقول وزارة الخزانة الأمريكية إنه يعود إلى لواء المرتزقة الكولومبيين المرتبط بالعقيد السابق ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا.
وتمنح هذه البيانات التحقيق بعدًا تقنيًا مهمًا؛ لأنها تتقاطع مع روايات المرتزقة بشأن المهام التي كانوا يؤدونها، خصوصًا تشغيل المسيّرات والرادارات والدفاعات الجوية.
ألفا مرتزق.. وثلاث كتائب
بحسب شهادات المقاتلين، وصلت القوة الكولومبية إلى السودان على مراحل.
كانت الكتيبة الأولى من أوائل المجموعات التي دخلت دارفور عبر ليبيا عام 2024 بهدف تأسيس خطوط الإمداد.
ثم جاءت الكتيبة الثانية عبر بوصاصو في الصومال، وتولت تأمين مطار نيالا ومواقع لوجستية أخرى.
أما الكتيبة الثالثة فكانت ضمن القوات الموجودة على خطوط القتال حول الفاشر، وتكبدت أكبر الخسائر خلال المعارك التي انتهت بسقوط المدينة.
وقال مرتزقان إن مقاتلي الكتيبة الثالثة حصلوا على مكافآت كبيرة بعد السيطرة على الفاشر.
رواتب بالدولار للقتال في حرب لا يعرفونها
يكشف التحقيق كذلك طبيعة «سوق الحرب» التي نشأت حول السودان.
فبحسب أحد المرتزقة، كان المقاتل العادي يحصل على نحو 2600 دولار شهريًا، بينما يتقاضى المشرف 2800 دولار والضابط 3500 دولار.
لكن كثيرًا من المجندين لم يكونوا يعرفون شيئًا تقريبًا عن السودان أو أطراف الحرب.
وقال مرتزق يدعى «رودريغو»:
«بمجرد وصولهم إلى السودان، كان المجندون تائهين تمامًا».
وأضاف أن بعض الرجال لم يكونوا يعرفون حتى هوية الطرف الذي يطلق النار عليهم، وهل هو الجيش السوداني أم جماعات مسلحة أخرى.
وهكذا كان المال يكفي لنقل جنود من قارة إلى أخرى كي يقاتلوا في حرب لا يعرفون أسبابها ولا أطرافها.
بوصاصو.. محطة تجميع المرتزقة
يشير التحقيق إلى أن قاعدة بوصاصو في إقليم بونتلاند الصومالي لعبت دورًا مركزيًا في الشبكة.
وتدير الإمارات قاعدة عسكرية داخل مطار بوصاصو الدولي، كما تدعم قوة شرطة بونتلاند البحرية.
ووصف رودريغو المكان بأنه:
«مركز لتجميع المرتزقة الذين يرسلون إلى السودان وإلى مناطق أخرى في أفريقيا تشهد صراعات».
وقال إنه شاهد خلال فترة وجوده هناك أفارقة وجنوب أفريقيين وكولومبيين وبيروفيين ومكسيكيين وغواتيماليين، وكان نحو 200 شخص يخضعون للتدريب في وقت واحد.
أطفال يحملون البنادق
ومن أكثر جوانب التحقيق قسوة شهادات المرتزقة بشأن وجود أطفال داخل التشكيلات المسلحة.
قال لويس ومرتزقة آخرون إنهم شاهدوا أعدادًا كبيرة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا يتلقون التدريب ويحملون السلاح.
وقال مانويل إنه رأى أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم 12 عامًا يحملون بنادق بالكاد يستطيعون رفعها.
وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية، شملت الشبكة التي فرضت عليها واشنطن عقوبات في ديسمبر 2025 تدريب جنود، من بينهم أطفال، للقتال لصالح الدعم السريع.
الفاشر.. «مدينة من الجثث»
تصل القصة إلى أقسى فصولها بعد سقوط الفاشر.
وصف أحد المرتزقة المدينة بأنها كانت شبه خالية، بينما انتشرت فيها رائحة الموت والجثث المتحللة.
وتحدث عن جثامين لنساء وأطفال، وأكوام من الجثث بدت وكأن مركبات مرت فوقها، فيما ظل الدخان الناتج عن إحراق الجثامين يغطي أجزاء من المدينة.
وقال لويس إن الذباب كان يملأ الهواء بسبب الجثث والقمامة، وإن بعض الجثامين تغير لونها بعد بقائها طويلًا تحت الشمس.
ووفق التحقيق، قالت الأمم المتحدة بعد سقوط الفاشر إن أعمال إبادة جماعية ارتُكبت، بينما تحدثت منظمات حقوقية عن عمليات إعدام واغتصاب وقتل للمرضى وسحق مدنيين بالمركبات.
الكولومبيون لم يكونوا مقاتلين فقط
لم يقتصر دور المرتزقة على الاشتباكات المباشرة.
فبحسب التحقيق، عمل كولومبيون في تشغيل:
الطائرات المسيّرة، والرادارات، والمدافع المضادة للطائرات، وتأمين المطارات، وحماية خطوط الإمداد، وتدريب مقاتلين آخرين.
ويعني ذلك أن دورهم كان نوعيًا أكثر منه مجرد زيادة عددية في قوات الدعم السريع.
فجلب أشخاص يمتلكون خبرة عسكرية وتقنية متخصصة منح المليشيا قدرات لم يكن من السهل تطويرها محليًا خلال الحرب.
شركة مرتبطة بمؤسسات إماراتية
يكتسب ملف شركة GSSG أهمية خاصة.
فبحسب التحقيق، تأسست الشركة عام 2016 على يد أحمد محمد الحميري، الأمين العام لديوان الرئاسة الإماراتي.
وكان موقعها الإلكتروني يصفها بأنها شركة أمنية خاصة، وأدرج ضمن عملائها ديوان الرئاسة ووزارتي الخارجية والداخلية الإماراتيتين.
كما قال مرتزقة إن الشركة هي التي تعاقدت معهم وأدارت جانبًا من عملية نشرهم.
لكن الإمارات قالت إنها أجرت تحقيقات شاملة بشأن الادعاءات المتعلقة بالشركة، وإن النتائج أكدت عدم مشاركتها في أي نشاط للمرتزقة في السودان، وأنها تعمل وفق القوانين الإماراتية والدولية.
أبوظبي تنفي بالكامل
رفضت الإمارات النتائج التي تربطها بالشبكة.
وقال مسؤول إماراتي إن بلاده لم تقدم أسلحة أو معدات أو دعمًا عسكريًا لأي طرف منذ اندلاع الحرب، ونفى تسهيل انتقال المرتزقة أو المقاتلين الأجانب إلى السودان ودارفور.
كما أكدت الإمارات التزامها بقرارات مجلس الأمن والعقوبات الدولية.
وهذه نقطة مهمة تحريريًا: التحقيق يقدم شبكة واسعة من الأدلة والشهادات التي تشير إلى مسارات تمر بالإمارات وشركة مقرها أبوظبي وتدريب داخل أراضيها، لكن الحكومة الإماراتية تنفي أي تورط رسمي بصورة قاطعة.
مفارقة «صانع السلام»
المفارقة السياسية الأكثر وضوحًا أن الإمارات عضو في «الرباعية» الدولية التي تعمل رسميًا على إحلال السلام في السودان، إلى جانب الولايات المتحدة والسعودية ومصر.
وفي الوقت نفسه، يقدم التحقيق شهادات وبيانات تربط شبكة المرتزقة بمواقع وشركات ومسارات إماراتية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من وجود مقاتل كولومبي أو شركة أمنية:
هل تستطيع دولة أن تجلس على طاولة الوساطة الدولية، بينما تظهر أدلة متزايدة على أن شبكات تعمل من أراضيها أو عبر حلفائها الإقليميين تساعد أحد أطراف الحرب؟
لماذا السودان مهم لأبوظبي؟
يشير التحقيق إلى مصالح إماراتية ضخمة في السودان تشمل الذهب والزراعة والموانئ والبحر الأحمر، إلى جانب عداء أبوظبي التقليدي للقوى الإسلامية التي تعتبرها تهديدًا إقليميًا.
كما ترتبط الإمارات بعلاقة قديمة بقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي سبق أن أرسل آلاف المقاتلين السودانيين للقتال في اليمن ضمن التحالف الذي شاركت فيه أبوظبي.
وهذا يجعل الحرب السودانية بالنسبة إلى الإمارات، وفق قراءة التحقيق، أكثر من أزمة بعيدة: إنها معركة على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني في البحر الأحمر وشرق أفريقيا.
من أبوظبي إلى المقابر الجماعية
القيمة الحقيقية لتحقيق «فايننشال تايمز» ليست في شهادة فردية واحدة، بل في تراكم الأدلة:
مرتزقة يقولون إنهم جُندوا عبر شركة مقرها الإمارات.
آخرون يقولون إنهم تدربوا داخل قواعد في أبوظبي.
أجهزة محمولة تظهر داخل تلك القواعد ثم تنتقل إلى بوصاصو ونيالا والفاشر.
شبكات «واي فاي» مرتبطة بالطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.
سجلات رحلات وهجرة.
مقاطع لمقاتلين كولومبيين خلال معارك الفاشر.
وعقوبات أمريكية على شبكة كولومبية قالت واشنطن إنها جندت ونشرت مقاتلين لصالح الدعم السريع.
كل ذلك بينما تواصل الإمارات نفي أي مسؤولية.
وبين النفي الإماراتي والشهادات والآثار الرقمية، يرسم التحقيق واحدًا من أخطر المسارات الخارجية في حرب السودان: جنود سابقون يُشترون بالدولار في كولومبيا، يُنقلون عبر قواعد وممرات مرتبطة بحلفاء أبوظبي، ويتلقون تدريبات متخصصة، ثم يظهرون على جبهة الفاشر إلى جانب مليشيا الدعم السريع. وفي نهاية الطريق لا توجد شركات أمنية ولا صفقات ولا دولارات، بل مدينة مليئة بالجثث ومدنيون سودانيون دفعوا الثمن.
وكما قال أحد المرتزقة الذين عاشوا الشبكة من الداخل: «المال الإماراتي يشتري الكثير من الضمائر».