يقدّم الخلاف السعودي–الإماراتي المتصاعد مادة خصبة لإعادة تشغيل أدوات الضغط التقليدية داخل واشنطن، وهو ما يظهر بوضوح في مقال نُشر على موقع Jewish Insider، المعروف بقربه الشديد من الدوائر المؤيدة لإسرائيل، وتركيزه على نقل نبض الكونغرس وصياغة السرديات السياسية التي تهم اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة.
المقال يتعامل مع التوتر بين الرياض وأبو ظبي ليس باعتباره صراع مصالح إقليميًا طبيعيًا، بل كمدخل لطرح سؤال أيديولوجي وأمني حول “اتجاه السعودية”، مستخدمًا لغة القلق والتحذير، حتى وهو يحاول في الظاهر التقليل من شأن فكرة حدوث تحول جذري في السياسة السعودية.
كتُاب المقال بدأوا بالإشارة إلى أن عدداً من المشرعين الأميركيين يقللون من التقارير التي تتحدث عن ابتعاد السعودية عن “الاعتدال” أو انفتاحها على إسلاميين متشددين، لكنه في الوقت نفسه يعرض سلسلة من “المؤشرات” التي تُقدَّم للقارئ بوصفها أسبابًا مشروعة لهذا القلق. من بين هذه المؤشرات، الخلافات العلنية بين السعودية والإمارات في ساحات متعددة، أبرزها السودان واليمن والصومال، مع التذكير بضربة جوية سعودية استهدفت شحنة إماراتية في جنوب اليمن، في إشارة واضحة إلى عمق التوتر بين الحليفين السابقين.
ثم ينتقل المقال إلى سرد الاتهامات غير المباشرة الموجهة إلى الرياض، متحدثًا عن وقوفها إلى جانب قوى مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في بعض الصراعات، وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع قطر، وتخفيف موقفها تجاه قوى إسلامية تُوصَف بأنها معادية لإسرائيل. هذه النقاط تُطرح في المقال كخلفية تفسيرية، حتى عندما يجري التأكيد لاحقًا على أن هذه القراءة قد تكون مبالغًا فيها.
في هذا السياق، يبرز لقاء وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بعدد من أعضاء الكونغرس باعتباره لحظة دفاع سعودي مباشر داخل واشنطن. المقال ينقل عن النائب الديمقراطي براد شيرمان، المعروف بانتقاداته السابقة للسعودية، قوله إن الوزير السعودي سعى خلال الاجتماع إلى تفنيد الادعاءات حول ابتعاد المملكة عن الاعتدال، مؤكدًا أن موقف الرياض من جماعة الإخوان لم يتغير، وأن الخلاف مع الإمارات ذو طابع تكتيكي لا أيديولوجي.
شيرمان، كما ينقل المقال، لم يُخفِ شكوكه الكاملة، بل استخدم لغة مزدوجة تعكس جوهر الخطاب الصهيوني في واشنطن: طمأنة مشروطة. فهو يقول إن عدم كون السعودية شيعية لا يجعلها تلقائيًا صهيونية، ويحذر من التراخي في القلق بشأن أي دولة في المنطقة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن وزير الخارجية السعودي حرص على التأكيد بأن القلق من السعودية أقل مقارنة بقوى أخرى مثل قطر أو تركيا، خصوصًا في ما يتعلق بالإخوان المسلمين وإيران.
المقال يخصص مساحة واسعة للتأكيد على أن العلاقة بين السعودية والإمارات ما زالت، من وجهة نظر عدد من المشرعين، قوية واستراتيجية. النائب الجمهوري براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، يُقدَّم كصوت مطمئن، إذ يؤكد أن الخلافات بين البلدين لا تتجاوز كونها نزاعات أو سوء تفاهمات طبيعية بين حلفاء مقربين، ويشدد على أن العلاقة الأميركية–السعودية تظل ركيزة أساسية في سياسة واشنطن بالمنطقة.
في ملف السودان، ينقل المقال عن مصدر في الكونغرس قوله إن الربط بين القوات المسلحة السودانية، التي تدعمها السعودية، وجماعة الإخوان المسلمين جرى تضخيمه، وإن قرار الرياض دعم هذه القوات قرار عملي مرتبط بالواقع الميداني لا بإشارة أيديولوجية. المصدر يضيف أن السعوديين أبلغوا واشنطن بأنهم يعملون على إبعاد أي عناصر مرتبطة بالإخوان من داخل هذه القوات.
في المقابل، يلفت المقال إلى أن الطرفين المتحاربين في السودان ارتكبا فظائع جسيمة، مع تذكير بأن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على قوات الدعم السريع، المدعومة إماراتيًا، بسبب ارتكابها ما تصفه واشنطن بإبادة جماعية. ورغم ذلك، ينقل المقال أن السعودية لا ترغب في أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات على الإمارات، حتى بعد زيارة ولي العهد محمد بن سلمان، وهو تفصيل يعكس محاولة سعودية واضحة لاحتواء الخلاف وعدم تفجيره دوليًا.
وعند الحديث عن اليمن، يعرض المقال الرواية السعودية للضربة الجوية، مشيرًا إلى أن الرياض بررت الهجوم بقلقها من اقتراب قوى معادية لها من حدودها، وأن الشحنة الإماراتية المستهدفة كانت موجهة إلى تلك القوى.
أصوات أخرى في المقال، من بينها سيناتورات جمهوريون وديمقراطيون، تؤكد وجود قلق عام من التوتر السعودي–الإماراتي، لكنها تشدد على أن هذا القلق لا يصل إلى حد الاعتقاد بأن السعودية تعيد تموضعها نحو “تطرف” أيديولوجي. في المقابل، يظهر تركيز واضح على عامل إسرائيل، سواء من خلال التحذير الدائم من عدم الاطمئنان لأي دولة في المنطقة، أو من خلال التذكير بأن حرب غزة عطلت مسار التطبيع الذي كانت السعودية “متحمسة” له سابقًا.
المقال يُختتم بنبرة صريحة تعكس جوهر الخطاب الذي يروّجه الموقع، حيث ينقل عن سيناتور ديمقراطي قوله إن حالة عدم الاستقرار في المنطقة تؤكد أن الحليف الوحيد الموثوق حقًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو إسرائيل، في جملة تختصر الإطار الذي يُراد للقارئ أن يقرأ من خلاله كل ما سبق.
بهذا الشكل، لا يقدّم المقال مجرد تغطية لخلاف خليجي، بل يعيد صياغته داخل قالب أمني–أيديولوجي يخدم أولويات اللوبي الصهيوني في واشنطن، ويحوّل الصراع السعودي–الإماراتي إلى أداة لإعادة طرح سؤال قديم: من يظل داخل دائرة “الاطمئنان” الإسرائيلي، ومن يُدفع تدريجيًا إلى خانة الشك والضغط.