لم يمر إعلان مؤسسة تُسمى “غزة الإنسانية” عن إنهاء عملها في قطاع غزة مرور الكرام، بل فجّر موجة غضب عارمة على منصات التواصل وداخل الأوساط الحقوقية، بعدما ارتبط اسمها طوال شهور الإبادة الإسرائيلية بمشاهد قتل وتجويع واستدراج للمدنيين تحت لافتة “المساعدات الإنسانية”.
فبينما صاغت المؤسسة بيانها الختامي بلغة احتفالية مدعية أنها أنهت مهمتها بنجاح وقدمت 187 مليون وجبة آمنة، انفجرت في المقابل شهادات وصور وتقارير تتهمها بأنها لم توزع الغذاء بقدر ما وزعت الموت والرعب والإذلال، في واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قتامة في تاريخ الحروب المعاصرة. وخلال الساعات التي أعقبت الإعلان، تصدر وسم مصيدة الموت وغزة الإنسانية قوائم التفاعل، وسط رأي عام غاضب يرى أن المؤسسة دخلت غزة كواجهة أميركية إسرائيلية تحت ستار الإغاثة، ثم تحولت إلى أداة أمنية وعسكرية وظيفتها استدراج الجائعين إلى نقاط مكشوفة، حيث قُتل الآلاف برصاص القناصة أو تم اعتقالهم وتعذيبهم.
واعتبر ناشطون أن التجربة لم تكن مجرد فشل إنساني بل جريمة مكتملة الأركان تستوجب فتح تحقيق دولي ومساءلة من يقف وراء هذا الكيان الذي ظهر فجأة دون تراخيص واضحة ودون شفافية مالية أو لوجستية. ووصف مدونون المؤسسة بأنها كانت أشد قسوة من القذائف لأنها وفق شهاداتهم اجتذبت المدنيين الجوعى إلى ساحات مفتوحة قبل أن تتحول تلك الساحات إلى ميادين قتل جماعي في مشاهد وُثقت من قبل جهات حقوقية فلسطينية ودولية. ونُقل عن سكان قولهم إن عناصر المؤسسة تعاملت مع المحتاجين بازدراء وإهانة وأن بعض عمليات التوزيع كانت تتم تحت مراقبة عسكرية مباشرة في تداخل فجّ بين المعونة والاحتلال بين الإنسانية والقتل.
“مصيدة الإغاثة” تتحول إلى جريمة ممنهجة تحت ستار الأمن
وبحسب الإعلام الحكومي في غزة فقد بلغ عدد الشهداء الذين نُقلوا إلى المستشفيات بسبب عمليات القتل أثناء محاولات الحصول على الغذاء 2615 شهيداً إضافة إلى 19182 إصابة. ومن بين هؤلاء 1213 مدنياً استشهدوا برصاص قناصة الاحتلال ضمن ما عُرف بمصائد الموت وهي المناطق التي كان يُستدرج فيها السكان بزعم توزيع المساعدات قبل إطلاق النار عليهم في جريمة مركبة تجمع بين التجويع والاستدراج والقتل المتعمد. ورغم أن المؤسسة حاولت إظهار نفسها كبديل فعال بعد فرض إسرائيل قيوداً على الوكالات الدولية في مايو الماضي فإن المقارنة كانت فاضحة أربعة مراكز توزيع مقابل 400 مركز كانت تديرها منظومة الأمم المتحدة سابقاً. لكن الكارثة لم تكن في العدد بل في أن بعض هذه المراكز وفق تقارير صحفية وحقوقية كانت تتحول إلى ساحات تصفية وإطلاق نار ما جعل خبراء الأمم المتحدة يصفون الآلية بأنها قاصرة وخطيرة وتعرض المدنيين للموت بدل الحماية.
كما أثار الغموض الإداري والمالي للمؤسسة شكوكاً واسعة إذ ظهرت بدون شفافية دون إعلان شركاء محليين دون مناقصات أو سجلات ودون بيانات مفصلة حول حجم التمويل أو مصادره. وذهب ناشطون إلى أبعد من ذلك معتبرين أنها كانت جزءاً من ملف مظلم لغسل الأموال والدعم غير المشروع وأن وجودها غطّى على عمليات عسكرية وأمنية تتقاطع مع أهداف الاحتلال في إخضاع السكان عبر التجويع. وقال أحد المعلقين إن المؤسسة لم تكن تقدم الغذاء بل كانت تُستخدم لقياس تحركات المدنيين وحشدهم في مواقع محددة ثم تركهم مكشوفين أمام القنص بينما رأى آخر أنها مثلت انهياراً أخلاقياً غير مسبوق في تاريخ العمل الإنساني بعدما تحولت إلى ما وصفه بمصارف دم مفتوحة على الحواجز. وتطالب الأصوات الشعبية والحقوقية اليوم بفتح ملف المؤسسة بالكامل من موّلها من منحها التفويض من أشرف على عملياتها وكيف تم السماح لها بالعمل في بيئة حرب دون ضمانات حماية ولماذا غادرت فجأة فور ارتفاع الأصوات المطالبة بالمحاسبة. بل إن البعض يرى أن رحيلها ليس نهاية بل هروباً قبل لحظة كشف الحقائق معتبرين أن المرحلة المقبلة يجب أن تحمل عنواناً واحداً وهو المساءلة.
غضب فلسطيني ودولي ومطالب بتحقيق يكشف المستور
وفي سياق حملة الوعي المتصاعدة يصر الفلسطينيون على أن الإنسانية لا تُقاس بعدد الوجبات في البيانات بل بعدد الأرواح التي حُميت وأن هذه التجربة يجب أن تصبح دليلاً دامغاً على أن التجويع والاستدراج تحت غطاء الإغاثة هو شكل جديد من أشكال الحرب والإبادة. ويرى حقوقيون أن ما حدث يمثل سابقة خطيرة يمكن أن تُستخدم في نزاعات أخرى إن لم تتم محاسبة كل من شارك وأدار ومَوّل هذه المؤسسة التي تحولت عملياً إلى ذراع تنفيذية لمشروع تجويع وإبادة وإخضاع المدنيين. ويؤكد ناشطون أن الذاكرة الفلسطينية ستكون شاهدة على أن الجوعى قُتلوا بينما كانوا يسعون للحياة وأن شعار الإنسانية كان غطاءً لقتل الأسر وترك الأطفال بلا غذاء ولا كرامة. ومع تصاعد المطالب بالتحقيق تبقى الأسئلة مفتوحة تنتظر الإجابة: هل كان العمل الإنساني مجرد واجهة أمنية؟ من أدار اللعبة؟ ومن سيحاسب؟ الفلسطينيون يقولون إن القصة لم تنته بل بدأت الآن.
اقرأ أيضًا : تصاعد المعارك في كردفان.. ومسيّرات الدعم السريع تستهدف الأُبيّض وسط اتهامات لإجرام بن زايد بإطالة الحرب