لم يكن الإعلان عن ترخيص أول منصة مراهنات رياضية وألعاب قمار إلكترونية في الإمارات مجرد خبر اقتصادي عابر، ولا خطوة تنظيمية تقنية كما حاول الخطاب الرسمي تقديمها. ما جرى في أواخر نوفمبر 2025، مع إدراج منصة 971Play كمشغّل مرخّص رسميًا، يمثل تحوّلًا عميقًا في فلسفة الدولة، وفي علاقتها بالقانون، والدين، والمجتمع، وحتى بصورة “الاستثناء الأخلاقي” التي طالما روّجت لها.
لسنوات طويلة، قامت الإمارات على معادلة واضحة: اقتصاد منفتح بلا سقوف تقريبًا، مقابل خطاب أخلاقي محافظ يُستخدم كغطاء قانوني وسياسي لضبط المجتمع المحلي. القمار كان أحد الخطوط الحمراء المعلنة، ليس فقط بوصفه نشاطًا محرّمًا دينيًا، بل بوصفه “خطرًا اجتماعيًا” يهدد الاستقرار. وقد كرّس القانون الإماراتي هذا الموقف لعقود، بمواد صريحة تُجرّم المقامرة وتفرض عقوبات بالسجن والغرامة على ممارسيها، في انسجام شكلي مع المرجعية الدينية والثقافية.
لكن هذا التحريم لم يكن يومًا كاملًا في الممارسة. فقد عرفت دبي، تحديدًا، أشكالًا مقنّعة من المقامرة منذ سنوات، سواء عبر نوادٍ خاصة، أو فعاليات مغلقة، أو منصات رقمية تعمل من الخارج وتُستخدم داخل الدولة بطرق التفافية. كان القمار موجودًا، لكن الدولة اختارت أن تديره في الظل، وأن تُبقيه محصورًا في مدينة واحدة تُقدَّم باعتبارها “استثناءً سياحيًا” لا نموذجًا عامًا. الجديد اليوم أن هذا الاستثناء لم يعد استثناءً، بل تحوّل إلى أصل قانوني اتحادي.
إنشاء الهيئة العامة لتنظيم الألعاب التجارية (GCGRA) في سبتمبر 2023 كان الإشارة الأولى إلى هذا التحوّل. فالهيئة لم تُنشأ لتنظيم “نشاط هامشي”، بل لتأسيس إطار كامل لما سمّته الدولة “الألعاب التجارية”، وهو مصطلح فضفاض يضم اليانصيب، والمراهنات الرياضية، وألعاب الكازينو، والألعاب الإلكترونية التي تجمع بين الحظ والمهارة. بهذا التوصيف، جرى تفريغ كلمة “قمار” من حمولتها الأخلاقية والدينية، وإعادة تقديمها كقطاع اقتصادي يمكن تنظيمه وضبطه، شأنه شأن أي نشاط تجاري آخر.
الترخيص الذي مُنح لمنصة 971Play في 28 نوفمبر 2025 لم يكن خطوة معزولة، بل حلقة في سلسلة بدأت باليانصيب الوطني، ثم ترخيص كازينو متكامل في رأس الخيمة، وصولًا إلى فتح الباب أمام المراهنات الرياضية والألعاب الإلكترونية عبر الإنترنت . الدولة تقول إن الأمر “تجريبي” و”محدود”، لكن منطق السياسات العامة يشير إلى أن ما يُشرَّع اليوم كاستثناء مراقَب، يصبح غدًا قطاعًا مكتمل الأركان.
الحجّة الرسمية واضحة: التقنين أفضل من الفوضى، والتنظيم أفضل من المنع، والرقابة أفضل من السوق السوداء. ولهذا جرى إحاطة الترخيص بشروط صارمة: حصر التشغيل في منصة واحدة، اشتراط وجود المستخدم داخل الدولة، منع استخدام VPN، تحديد سن المشاركة، أدوات للعب المسؤول، ومنع المواطنين الإماراتيين – نظريًا – من المشاركة. كل ذلك يُقدَّم كدليل على أن الدولة “تحمي المجتمع” ولا تفتح الباب على مصراعيه.
لكن السؤال الحقيقي ليس تقنيًا، بل سياسي وثقافي: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الشكل؟ ولماذا تتحول الدولة من موقع التحريم الأخلاقي إلى موقع التنظيم التجاري دون نقاش عام، ودون مساءلة، ودون حتى محاولة إقناع المجتمع المحلي بأن ما كان محرّمًا بالأمس صار مقبولًا اليوم؟
الجواب يكمن في طبيعة الدولة نفسها. الإمارات لم تعد دولة تبحث عن شرعية اجتماعية بقدر ما تبحث عن كفاءة اقتصادية وصورة دولية. القرار لا يُتخذ انطلاقًا من توافق مجتمعي، بل من حسابات السوق والاستثمار والمنافسة الإقليمية. القمار، في هذا السياق، ليس خطيئة ولا قيمة، بل “فرصة”. فرصة لجذب الأموال، ولإطالة إقامة الأجانب، ولتحويل الدولة إلى مركز ترفيهي شامل ينافس نماذج عالمية قائمة على اقتصاد المتعة.
وهنا يصبح الفرق بين دبي وبقية الإمارات أقل أهمية مما يبدو. صحيح أن دبي كانت تاريخيًا الأكثر انفتاحًا، وأن الشارقة ما زالت ترفض هذا المسار حتى اللحظة، لكن الترخيص صادر عن هيئة اتحادية، والمرسوم اتحادي، والمنطق اتحادي. ما ترفضه إمارة اليوم قد يُفرض عليها غدًا، بصمت، تحت عنوان “توحيد الإطار التنظيمي”.
المفارقة أن الدولة التي لا تسمح بنقاش سياسي، ولا بحرية صحافة، ولا بحق التنظيم، ولا حتى بانتقاد السياسات العامة، تسمح اليوم بتقنين نشاط يُعدّ من أخطر أشكال الإدمان الاجتماعي، بحجة أنه “منظم”. هذا التناقض ليس جديدًا، لكنه اليوم صار أكثر فجاجة: الدولة التي تخشى على مواطنيها من حرية التعبير، لا تخشى عليهم من اقتصاد المراهنات.
الأخطر من ذلك أن التقنين لم يُطرح باعتباره خيارًا مجتمعياً قابلًا للنقاش، بل كقرار إداري نهائي. لم يُسأل المجتمع، ولم تُستشر المرجعيات الدينية، ولم تُفتح مساحة حوار. ما كان يُدار في الظل، خرج إلى النور كقانون، لا لأن المجتمع تغيّر، بل لأن الدولة قررت أن تغيّر تعريف المقبول والمرفوض.
في هذا السياق، تصبح الشارقة حالة لافتة. رفضها المستمر لهذا المسار ليس مجرد موقف أخلاقي، بل تذكير بأن داخل الدولة نفسها تصدعات قيمية عميقة. الشارقة، التي حافظت على خطاب محافظ نسبيًا، تبدو اليوم كصوت نشاز في منظومة قررت أن تمضي حتى النهاية في تحويل الاقتصاد إلى مرجعية عليا. لكنها، في النهاية، إمارة داخل اتحاد، لا تملك حق الفيتو على مسار ترسمه السلطة المركزية.
تقنين القمار في الإمارات ليس مجرد مسألة مراهنات أو منصات رقمية. إنه إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة وبداية أخرى: مرحلة لم تعد فيها الدولة معنية حتى بتبرير التناقض بين الخطاب الديني والممارسة الاقتصادية. ما يهم هو الإدارة، والرقابة، والعائد. أما القيم، فتُعاد صياغتها وفق الحاجة.
وهنا تكمن خطورة اللحظة. لأن ما يُشرَّع اليوم باسم “التنظيم” قد يُوسَّع غدًا باسم “التطوير”، ثم يُعمَّم باسم “النجاح”. والحدود التي تُقال اليوم إنها صارمة، يمكن تعديلها بقرار إداري واحد. القمار لم يدخل الإمارات من الباب الخلفي، بل من الباب الرسمي، وبختم الدولة.
إنها ليست قصة منصة اسمها 971Play، ولا هيئة اسمها GCGRA. إنها قصة دولة قررت أن تعيد تعريف نفسها، لا بوصفها حامية لقيم مجتمع، بل بوصفها مدير سوق. وما بين الدورين، يُترك المجتمع ليتأقلم، أو يصمت.
وفي النهاية، السؤال الذي يبقى معلقًا ليس: هل القمار منظم أم لا؟ بل: ماذا تبقّى من الخطوط الحمراء، إذا كان ما حُرّم لعقود يمكن تقنينه فجأة، دون نقاش، ودون مساءلة، ودون حتى اعتراف بأننا أمام تحوّل جذري في معنى الدولة نفسها؟