قبل أقل من عقد، كانت فكرة إقامة حفل راقص في السعودية أشبه بالمزاح الثقيل أو الخيال المستحيل. الشرطة الدينية، اللجان الشرعية، وأجهزة الرقابة الاجتماعية كانت بالمرصاد لكل ما يخرج عن “الأعراف”. لكن وثائقي “السعودية وابن سلمان: تحديث أم سيطرة متوحشة؟” (2023) يكشف المسار الصادم للتحول: من منع مطلق، إلى السماح في الهواء الطلق، وصولًا إلى أول حفل راقص في مكان مغلق، بحضور علني، وفي ظل خوف منظميه من مداهمة الشرطة.
اليوم، ومع انتشار “اللاونجات” في المدن الكبرى، لم يعد المشهد مقتصرًا على استيراد الموسيقى الغربية، بل على إعادة تشكيل المزاج الاجتماعي بالكامل، لكن تحت عين ورقابة السلطة، لتصبح الحرية الممنوحة مجرد أداة سياسية، لا تحوّلًا حقيقيًا.
التغيير أم إعادة ضبط المجتمع؟
قد يظن البعض أن هذا الانفتاح يعكس “تقدّمًا” أو “تحريرًا” للمجتمع من القيود المحافظة، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
محمد بن سلمان لم يلغِ الرقابة الاجتماعية بدافع الإيمان بالحريات الفردية، بل استبدلها برقابة أمنية أكثر صرامة، حيث باتت كل مساحات الترفيه مراقبة بالكاميرات، وكل حدث مشروط بموافقات أمنية، وكل فنان أو منظم ملتزم بسقف لا يمكن تجاوزه.
هذا ما يجعل ما يبدو كـ”تحرير” في الحقيقة إعادة تشكيل المجتمع وفق أجندة السلطة: حرية انتقائية، موجهة، وتحت السيطرة الكاملة.
اللاونجات واجهة الليبرالية المراقَبة
انتشار اللاونجات لم يكن مجرد طفرة اقتصادية أو موضة عابرة. إنها جزء من هندسة اجتماعية تتيح للسلطة تقديم صورة “منفتحة” للعالم الخارجي، بينما تحافظ على أدوات السيطرة داخليًا.
في هذه الأماكن، تتجاور الأجواء الغربية مع القوانين المحلية الصارمة، ما يجعل التجربة أشبه بعرض مسرحي: مظهر من الانفتاح، لكن جوهره مرسوم من الأعلى، حيث لا مجال للمفاجآت أو العفوية.
التحول الزمني ثلاث سنوات تكفي لكسر التابوهات
الوثائقي يرصد سرعة التحول بين 3 مراحل:
1. مرحلة المنع الكامل: لا حفلات، لا موسيقى صاخبة، رقابة دينية وأمنية خانقة.
2. الانفتاح الجزئي: حفلات في أماكن مفتوحة، تحت ذريعة “الترفيه المنضبط”.
3. الاختراق الكامل: أول حفل راقص في مكان مغلق، معلن، مع قلق من أن تقتحم الشرطة المكان، لكن بغطاء رسمي ضمني.
هذه السرعة لم تكن نتيجة ضغط شعبي، بل قرار سلطوي أراد قلب المشهد الاجتماعي بسرعة، لخلق صورة سعودية جديدة يمكن بيعها كـ”منتج سياحي” ضمن رؤية 2030.
الانفتاح الدعائي على حساب الحريات الحقيقية
المفارقة أن هذه الحفلات، رغم أنها تكسر تقاليد اجتماعية عمرها عقود، لا تفتح المجال للحريات السياسية أو حرية التعبير.
يمكنك اليوم الرقص في الرياض، لكنك لا تستطيع انتقاد الحكومة أو الحديث عن الفساد أو المطالبة بإصلاحات سياسية. إنها حرية “مُعلّبة” تأتي مع بطاقة دخول محددة، لا يمكن استخدامها خارج مسرح الترفيه.
بمعنى آخر: تم استبدال القمع الديني بقمع سياسي، وباتت الحفلات وسيلة لتشتيت الانتباه عن غياب الديمقراطية واستمرار القمع.
رسالة إلى الخارج أكثر من الداخل
هذه الحفلات ليست موجهة فقط للشباب السعودي، بل للجمهور العالمي. إنها جزء من حملة علاقات عامة تهدف إلى إقناع المستثمرين والسياح أن السعودية “بلد جديد” يمكنه التماهي مع المعايير الغربية.
لكن الواقع أن هذا “التغيير” لم يصل إلى البنية السياسية، ولم يُترجم إلى حقوق متساوية للنساء أو حرية الإعلام أو القضاء المستقل. إنها واجهة براقة لواقع باهت.
الترفيه كأداة ضبط
في الأنظمة الاستبدادية، يُستخدم الترفيه كصمام أمان: يخفف الاحتقان، لكنه لا يعالج أسبابه. الحفلات في السعودية اليوم تلعب هذا الدور، فهي توفر متنفسًا مؤقتًا، بينما تبقى كل الملفات الحساسة — من البطالة إلى القمع السياسي — مغلقة بإحكام.
بكلمات أخرى: ابن سلمان لم يحرر المجتمع، بل أعاد برمجته، بحيث يقبل الترفيه الموجه كبديل عن الحرية الحقيقية.
المحور الاستقصائي: مليارات على الحفلات وفتات على الخدمات
وفق تقديرات خبراء الاقتصاد والترفيه، أنفقت السعودية خلال السنوات الخمس الماضية ما يزيد عن 30 مليار دولار على فعاليات هيئة الترفيه، بما في ذلك الحفلات الموسيقية والمهرجانات واللاونجات الفاخرة.
هذا الرقم يعادل تقريبًا ميزانية التعليم العالي لسنتين كاملتين، ويتجاوز ميزانية قطاع الإسكان في العام الماضي.
مقارنة صارخة:
- إنفاق على حفلة واحدة كـ”موسم الرياض” يصل إلى نصف مليار دولار.
- بينما ميزانية صيانة المستشفيات في بعض المناطق لا تتجاوز 50 مليون دولار سنويًا.
- قرى نائية في عسير وجازان ما زالت بلا شبكات صرف صحي أو مياه شرب نظيفة.
البطالة والشباب:
رغم هذا الإنفاق الضخم، بلغت معدلات البطالة بين الشباب في السعودية أكثر من 16% عام 2024، ما يثير السؤال: لماذا تُصرف المليارات على حفلات مؤقتة بدلًا من استثمارات إنتاجية دائمة؟
هذا التناقض يعكس بوضوح أن “رؤية 2030” prioritizes الصورة الإعلامية على حساب تحسين جودة الحياة الفعلية للمواطنين.
رقص تحت السقف الحديدي
التحول من المنع الكامل إلى الحفلات المغلقة في ثلاث سنوات يبدو مذهلًا على السطح، لكنه في الجوهر ليس ثورة اجتماعية، بل إعادة ترتيب الأولويات بما يخدم سلطة مركزية لا تسمح بوجود أي مساحة خارج سيطرتها.
يمكن أن تملأ شوارع الرياض بالموسيقى، لكنك لا تستطيع أن تملأ صناديق الاقتراع بالأصوات الحرة. يمكن أن تسمح بالرقص، لكنك لا تسمح بالكلمة المعارضة.
إنه رقص تحت سقف حديدي، سقف صنعته السلطة، وتتحكم في ارتفاعه وانخفاضه كما تشاء.
وبينما تُضخ المليارات في الحفلات واللاونجات، يظل المواطن العادي خارج الحلبة، يتابع المشهد من بعيد، ويدرك أن الحرية الحقيقية ليست على خشبة المسرح، بل في الشارع… حيث لا يسمح له بالرقص.