تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حول العمل على إنشاء منطقة منزوعة السلاح جنوب سوريا، بالتزامن مع تكثيف العمليات العسكرية الإسرائيلية في ريف دمشق، تعكس تصعيدًا خطيرًا يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. التطورات الأخيرة تثير تساؤلات حول دوافع إسرائيل، وموقع النظام السوري وحلفائه، ومدى ارتباط هذه التحركات بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
البعد الإسرائيلي: أهداف استراتيجية واضحة
-
حديث نتنياهو عن “منطقة خالية من السلاح” من الجولان حتى جنوب دمشق يكشف عن مخطط لتوسيع هامش الأمان الإسرائيلي عبر فرض شريط أمني عمليًا داخل الأراضي السورية.
-
هذه الرؤية ليست جديدة؛ فقد سعت إسرائيل منذ سنوات لإبعاد إيران وحزب الله عن حدودها الشمالية، لكنها اليوم تترجمها بجرأة أكبر بعد المتغيرات الأخيرة في سوريا.
-
تكثيف الغارات والإنزال الجوي الأول من نوعه منذ سقوط النظام نهاية 2024 يرسلان رسالة مزدوجة: إسرائيل لم تعد تكتفي بالضربات الجوية التقليدية، بل دخلت مرحلة التدخل المباشر على الأرض.
الموقف السوري: إدانة بلا قدرة ردع
-
وزارة الخارجية السورية اعتبرت الاعتداءات “انتهاكًا جسيمًا للسيادة وخرقًا للقانون الدولي”، لكنها لم تذهب أبعد من الإدانة، ما يعكس محدودية خيارات دمشق.
-
استشهاد ستة جنود سوريين في غارات متتالية، وعجز الجيش عن منع الإنزال الجوي الإسرائيلي، يؤكد هشاشة القدرات الدفاعية السورية أمام التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي.
-
العثور على أجهزة تنصت قرب جبل المانع ثم استهدافها إسرائيليًا يثير مخاوف من اختراق استخباراتي عميق يسهّل ضربات الاحتلال.
أبعاد إقليمية ودولية
-
التوجه الإسرائيلي لنزع السلاح جنوب سوريا يرتبط مباشرة بمحاولات إبعاد النفوذ الإيراني، ما قد يلقى قبولًا أمريكيًا وربما تفاهمًا روسيًا ضمنيًا، خاصة في ظل رغبة موسكو بتقليص الاحتكاك المباشر مع تل أبيب.
-
الخطوة تحمل أيضًا رسائل إلى الأردن ولبنان: إسرائيل ماضية في إعادة رسم قواعد اللعبة الأمنية في المنطقة، حتى لو استدعى الأمر تجاوز الأعراف العسكرية التقليدية.
التداعيات المحتملة
-
إذا نجحت إسرائيل في فرض واقع “المنطقة المنزوعة السلاح”، فإن ذلك سيعني تحولًا جيوسياسيًا يكرّس تقاسم النفوذ في سوريا بين أطراف خارجية.
-
استمرار العجز السوري عن الرد سيقوض ما تبقى من هيبة النظام داخليًا، ويعزز صورة إسرائيل كفاعل إقليمي يملك زمام المبادرة.
-
في المقابل، قد تدفع هذه التطورات إيران وحزب الله إلى زيادة وجودهما جنوب سوريا، ما ينذر بمزيد من التصعيد وربما مواجهة أوسع.
خلاصة تحليلية
ما يجري جنوب سوريا لم يعد مجرد “غارات إسرائيلية متقطعة”، بل استراتيجية متكاملة لخلق شريط أمني ممتد من الجولان إلى دمشق، تحت غطاء “منطقة منزوعة السلاح”.
بينما تكتفي دمشق بالإدانة، تفرض إسرائيل إيقاعها العسكري، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم الخريطة الأمنية والسياسية للمنطقة. والسؤال المطروح:
هل نشهد قريبًا تحويل جنوب سوريا إلى نسخة ثانية من “الشريط الأمني” اللبناني الذي فرضته إسرائيل في ثمانينات القرن الماضي؟
اقرأ أيضا: معاريف: حديث نتنياهو عن “الإبادة الأرمنية” يفتح جبهة صدام مع أنقرة