لم تكن الطفلة الإيرانية التي خرجت من تحت الأنقاض تدرك أن كلماتها المرتجفة ستتحول إلى شهادة إنسانية تهز الرأي العام. فقد تحولت مدرسة البنات “شجرة طيبة” في مدينة ميناب جنوبي إيران، خلال لحظات، من مكان مخصص للتعليم والطفولة إلى ساحة مأساة دامية، بعدما تعرضت لقصف عنيف خلال الهجوم الإسرائيلي الأمريكي الذي استهدف مناطق عدة داخل إيران. وبينما لا تزال فرق الإنقاذ ترفع الأنقاض وتحصي الضحايا، خرجت رواية طفلة نجت من الموت لتكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل تحول المدرسة إلى مقبرة جماعية لطالباتها.

لحظات الرعب.. عندما تحول صوت الريح إلى قصف قاتل
تقول الطفلة، التي فقدت والدتها وشقيقها في القصف، إن يوم الحادثة بدأ بشكل طبيعي داخل المدرسة. كانت الحصص الدراسية تسير كالمعتاد، وكانت تنتظر جرس الحصة الأخيرة للخروج كما تفعل يوميا. لكنها لم تكن تعلم أن الدقائق القادمة ستغير حياتها إلى الأبد.
وتروي الطفلة: “كنت دائما أخرج مع جرس الحصة الأخيرة، وكان أخي ينتظرني في الخارج. عندما سمعنا الصوت، قال إنه يريد أن يذهب لإنقاذ أمي”. كان الصوت – بحسب وصفها – يشبه “ريحا قوية جدا”، قبل أن يتحول إلى انفجار هائل هز أرجاء المدرسة.
وبينما حاول شقيقها الصعود إلى الطابق العلوي حيث كانت والدته تعمل معلمة في المدرسة، سقطت الضربة الثانية. تقول الطفلة إن القصف تكرر فجأة، ما أدى إلى مقتل شقيقها في اللحظة نفسها التي كان يحاول فيها إنقاذ والدته.
هذه اللحظات التي وصفتها الطفلة تكشف نمطا من الضربات المتتابعة، وهو ما يثير تساؤلات كبيرة حول طبيعة الهدف الذي كان يقصف، خاصة وأن المكان كان مدرسة للبنات تضم عشرات الطالبات الصغيرات.
المدرسة تتحول إلى أنقاض.. وطفلة تحت الصخور
بعد الانفجار الأول، عمت الفوضى داخل المدرسة. صرخ المعلمون والطالبات وبدأ الجميع في الهروب بحثا عن مكان آمن. تقول الطفلة إنها شعرت بالخوف الشديد، وركضت مع معلمتها إلى أحد الفصول الدراسية، ظنا أنه قد يكون أكثر أمنا.
لكن بعد لحظات قليلة، انهار جزء من المبنى. وتضيف: “بعد ذلك غبت عن الوعي”.
عندما استعادت وعيها لاحقا، اكتشفت أن صخرة كبيرة كانت تسحق ظهرها تحت الركام.
تحكي الطفلة أن رجلا حاول رفع الصخرة لكنه لم يتمكن، ثم جاءت مجموعة من الأشخاص وتمكنوا من رفع جزء منها فقط، ما سمح لها بالخروج من تحتها. كانت تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت بالنسبة لها، بينما بقيت عشرات الطالبات تحت الأنقاض.
هذه الرواية تعكس حجم الدمار الذي لحق بالمدرسة، إذ تحولت المباني إلى أكوام من الحجارة والخرسانة في غضون ثوان.
أرقام صادمة.. عشرات الضحايا ومقبرة جماعية للطالبات
وبحسب ما أعلنته السلطات المحلية في مدينة ميناب، فإن الهجوم أدى إلى مقتل 165 طالبة داخل المدرسة، وهو رقم يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي وقعت.
كما أصيبت 96 تلميذة أخرى بجروح متفاوتة، وقد جرى نقل جميع المصابات إلى المستشفيات بواسطة فرق الإغاثة والطوارئ.
الصور والمقاطع التي تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت مشاهد صادمة لعمليات البحث بين الأنقاض، فيما تحدث بعضهم عن مقبرة جماعية لطالبات المدرسة.
وأثارت هذه الأرقام تساؤلات واسعة حول طبيعة الهدف الذي تعرض للقصف، خصوصا أن المدرسة كانت تضم طالبات تتراوح أعمارهن بين خمس واثنتي عشرة سنة.
غضب واسع ومطالب بتحقيق دولي
سرعان ما انتشرت شهادة الطفلة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتصبح واحدة من أكثر الروايات الإنسانية تأثيرا في الحرب الدائرة.
وطالب نشطاء ومؤسسات حقوقية بفتح تحقيق دولي عاجل للكشف عن ملابسات الهجوم، معتبرين أن استهداف منشأة تعليمية تضم أطفالا قد يرقى إلى جريمة حرب.
كما دعا حقوقيون إلى مساءلة المسؤولين عن الهجوم، مشددين على ضرورة حماية المدارس والمنشآت المدنية من الاستهداف العسكري.
ويرى مراقبون أن قصف مدرسة بهذا الحجم من الضحايا قد يتحول إلى قضية دولية، خصوصا إذا ثبت أن الموقع لم يكن له أي استخدام عسكري.
الاحتلال وأمريكا تحت الاتهام.. حرب تتجاوز حدود المعارك
في المقابل، تتصاعد الاتهامات لإسرائيل والولايات المتحدة بالمسؤولية عن الهجوم، في ظل الحرب المتصاعدة ضد إيران.
ويرى محللون أن ما جرى في مدرسة “شجرة طيبة” يعكس اتساع نطاق العمليات العسكرية لتشمل مناطق مدنية، الأمر الذي يزيد من المخاوف بشأن تداعيات الحرب على السكان المدنيين.
كما يشير هؤلاء إلى أن استهداف المدارس أو المرافق التعليمية يشكل أحد أخطر مظاهر الحروب الحديثة، حيث يتحول المدنيون – وخاصة الأطفال – إلى ضحايا مباشرين للصراعات الجيوسياسية.
شهادة الطفلة.. ذاكرة لن تمحى من الحرب
في نهاية روايتها المؤثرة، قالت الطفلة إنها تشتاق كثيرا لوالدتها وشقيقها، لكنها أكدت أنها “فخورة باستشهادهما”.
هذه الكلمات البسيطة، التي خرجت من طفلة نجت من الموت، تعكس عمق المأساة التي خلفها القصف.
وبينما تستمر الحرب في التصاعد، تبقى قصة هذه الطفلة واحدة من أكثر الشهادات الإنسانية إيلاما، إذ تحولت لحظة دراسية عادية إلى ذكرى دامية ستظل محفورة في ذاكرة مدينة ميناب، وربما في ذاكرة الحرب بأكملها.
اقرأ أيضًا : واشنطن تسرّع تسليح الاحتلال وتؤكد استمرار الدعم العسكري غير المحدود