لم تعد المواجهات التي اندلعت خلال الأيام الماضية في غرب محافظة تعز مجرد جولة جديدة ضمن الحرب اليمنية الممتدة منذ أكثر من عقد، بعدما قاد التقدم الحوثي المتسارع من الجبال والطرق الداخلية إلى مدينة المخا ثم جزيرة ميون إلى تغيير طبيعة المعركة بالكامل، ونقل مركز ثقلها نحو واحد من أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق باب المندب.
التطورات الأخيرة تكشف أن الجغرافيا التي دارت حولها المعارك في مقبنة والبرح والبئرين لم تكن بعيدة عن الصراع على الساحل كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل شكّلت ممرًا نحو المخا والساحل الغربي، قبل أن يعلن الحوثيون سيطرتهم على المدينة ثم جزيرة ميون الواقعة في قلب المضيق. وأكدت وكالة أسوشيتد برس ورويترز، الجمعة، سيطرة الحوثيين على ميون ومناطق ساحلية قريبة، بعد يوم من سقوط المخا بأيديهم.
غرب تعز.. الطريق الذي سبق سقوط المخا
قبل أيام من سقوط المخا، كانت المعارك تتركز في مناطق غرب تعز، خصوصًا مقبنة والبرح والبئرين والطرق الممتدة باتجاه الساحل.
ووصف موقع «المجهر» عودة المواجهات الواسعة غربي المحافظة بأنها انتقال للمعركة إلى مرحلة أكثر حساسية، بسبب تداخل جغرافيا القتال مع الممرات المؤدية إلى الساحل ومضيق باب المندب.
وفي المقابل، حملت رواية نشرها «الخبر اليمني»، المقرب من الحوثيين، إشارة أكثر وضوحًا إلى طبيعة الهدف، إذ نقل عن أطراف في حزب الإصلاح قولها إن «الهدف باب المندب وليس المدينة»، في سياق الحديث عن التقدم الحوثي في غرب تعز واحتمال إعادة تشكيل طرق الوصول إلى الساحل.
وبالنظر إلى ما حدث لاحقًا، فإن هذه التطورات لم تعد مجرد فرضية؛ ففي 10 سبتمبر/أيلول سيطر الحوثيون على المخا، في أكبر مكسب ميداني لهم منذ سنوات، بحسب أسوشيتد برس.
المخا.. البوابة البرية إلى المضيق
تكمن أهمية المخا في موقعها على الساحل الغربي لليمن، على مسافة نحو 80 كيلومترًا من باب المندب.
والسيطرة عليها تمنح الحوثيين موطئ قدم متقدمًا على الساحل، وتضعهم بالقرب من طرق الملاحة الدولية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وبحسب أسوشيتد برس، يمر عبر باب المندب نحو 12% من تجارة العالم، فيما تشير رويترز إلى أن المضيق يمثل أيضًا طريقًا لعبور ما يقارب 7% من إنتاج النفط العالمي.
كما أن التضاريس المرتفعة في غرب تعز توفر مواقع تطل على الساحل، ما يمنح الجهة المسيطرة عليها قدرة أكبر على مراقبة الطرق والتحركات العسكرية المؤدية إلى المخا وباب المندب.
وهكذا تحول تقدم بري بدأ داخل محافظة تعز إلى اختراق استراتيجي على البحر الأحمر.
ميون.. السيطرة تصل إلى قلب باب المندب
التحول الأخطر جاء الجمعة، مع سيطرة الحوثيين على جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، الواقعة في قلب باب المندب.
وتقسم الجزيرة المضيق إلى قناتين بحريتين، ما يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية لأي قوة تسعى إلى مراقبة حركة الملاحة أو تهديدها.
وأكدت رويترز أن الحوثيين سيطروا كذلك على بلدة ذباب الساحلية القريبة، ما عزز وجودهم على الضفة اليمنية من المضيق.
وبذلك أصبح التقدم الحوثي يمتد من مرتفعات غرب تعز إلى المخا، ثم ذباب وميون، ليقترب من تشكيل نطاق جغرافي متصل حول الجانب اليمني من باب المندب.
لماذا يخيف هذا التقدم السعودية؟
بالنسبة إلى السعودية، لا يتعلق الأمر فقط بخسارة مناطق داخل اليمن.
فالرياض تعتمد بصورة متزايدة على موانئ البحر الأحمر ومسارات تصدير النفط عبر غرب المملكة، خصوصًا في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأي قدرة حوثية أكبر على التأثير في باب المندب تعني أن اثنين من أهم الممرات البحرية لصادرات الطاقة الخليجية قد يصبحان معرضين للضغط في وقت واحد: هرمز من الشرق وباب المندب من الغرب.
ولهذا قفزت أسعار النفط مع سقوط المخا وتصاعد المخاوف من تمدد الحوثيين إلى المضيق.
وتزداد حساسية الموقف مع إعلان الحوثيين خلال الأشهر الماضية تهديد الملاحة السعودية في البحر الأحمر واستهداف ناقلات ومنشآت مرتبطة بالطاقة.
محمد بن سلمان يطلب تدخلًا أميركيًا
خطورة التطورات انعكست سريعًا على مستوى الاتصالات السياسية والعسكرية بين الرياض وواشنطن.
وكشف موقع «أكسيوس» أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصل بالرئيس الأميركي دونالد ترمب مرتين الخميس، بينما كانت القوات الحوثية تتقدم نحو المخا، وحثه على شن ضربات أميركية ضد الحوثيين.
لكن ترمب رفض الطلب في المرتين، وفق مسؤولين أميركيين تحدثوا للموقع.
وتشير الخطوة إلى تحول واضح في الموقف السعودي؛ ففي يوليو/تموز كانت الرياض تؤكد لواشنطن قدرتها على التعامل عسكريًا مع الحوثيين، بينما دفعتها التطورات الأخيرة إلى طلب تدخل أميركي مباشر.
ورغم رفض الضربات، وافقت الإدارة الأميركية على زيادة الدعم الاستخباراتي للسعودية وتوفير معلومات مرتبطة بتحديد الأهداف الحوثية.
كما توجه قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إلى السعودية لإجراء اجتماعات تنسيق عاجلة.
لماذا رفض ترمب؟
الرفض الأميركي لا يعني أن واشنطن تقلل من خطورة الوضع.
بل على العكس، يقول مسؤولون أميركيون إن الأولوية الحالية هي إبقاء البحر الأحمر مفتوحًا أمام الملاحة ومنع تهديد المصالح الأميركية، لكن من دون الانجرار إلى حرب جديدة في اليمن.
وبحسب «أكسيوس»، أصدر ترمب توجيهات بالحفاظ على تركيز القوات الأميركية على إيران ومضيق هرمز وعدم فتح جبهة إضافية ضد الحوثيين.
وتفضل واشنطن في هذه المرحلة أن تقود السعودية والحكومة اليمنية المواجهة البرية والعسكرية، مع توفير الدعم الاستخباراتي واللوجستي من الخلف.
ماذا تعني السيطرة على باب المندب؟
السيطرة على مواقع مطلة على باب المندب لا تعني بالضرورة القدرة على إغلاق المضيق بشكل كامل.
فالممر واسع نسبيًا، وتنتشر فيه قوات بحرية دولية، كما أن السيطرة الفعلية على الملاحة تحتاج إلى قدرات صاروخية وبحرية واستطلاعية مستمرة.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في القدرة على جعل المرور مكلفًا وخطيرًا.
وقد حدث ذلك بالفعل منذ بدء الهجمات الحوثية على السفن في أواخر 2023، عندما اضطرت شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح.
وتشير بيانات نقلتها أسوشيتد برس إلى أن حركة الملاحة عبر باب المندب تراجعت بنحو 60% منذ بدء تلك الهجمات.
لذلك فإن تمركز الحوثيين في المخا وميون لا يمنحهم سيطرة مطلقة على المضيق، لكنه يزيد قدرتهم على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام والقطع البحرية الصغيرة لرفع مستوى الخطر أمام السفن العابرة.
ورقة ضغط إضافية لإيران
تأتي هذه التطورات في توقيت شديد الحساسية إقليميًا.
فمع الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز، يصبح امتلاك حليف لطهران قدرة أكبر على تهديد باب المندب مكسبًا استراتيجيًا لإيران، حتى لو لم تكن هي التي تدير التحركات الحوثية ميدانيًا بشكل مباشر.
وتشير رويترز إلى أن السيطرة على الساحل اليمني وميون قد تمنح إيران ورقة ضغط إضافية في مواجهتها مع الولايات المتحدة عبر ممر بحري ثانٍ بالغ الأهمية.
وتنفي طهران أنها تسيطر عسكريًا على الحوثيين، رغم إقرارها بعلاقات الدعم السياسي والعسكري مع الجماعة.
المعركة لم تعد على تعز وحدها
عند العودة إلى خريطة المعارك في غرب تعز خلال الأيام الماضية، يصبح واضحًا أن النظر إليها كمعركة محلية فقط لم يعد كافيًا.
فالخط الذي بدأ من مقبنة والبرح والبئرين انتقل إلى المخا ثم ذباب وميون، ليصبح باب المندب في قلب المواجهة.
وهنا تتغير طبيعة الحرب: من صراع يمني داخلي على المدن والطرق والنفوذ إلى مواجهة تحمل تداعيات مباشرة على السعودية وإيران والولايات المتحدة وأسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ولا يعني ذلك أن الحوثيين أصبحوا قادرين على التحكم الكامل في باب المندب، لكنهم باتوا يمتلكون مواقع أفضل بكثير لتهديده مما كانوا عليه قبل أيام.
والسؤال لم يعد إذن: هل يستطيع الحوثيون التقدم غرب تعز؟
بل أصبح: إلى أي مدى يمكنهم تحويل مكاسبهم في المخا وميون إلى نفوذ حقيقي على باب المندب، وهل ستقبل السعودية وواشنطن بترسيخ هذا الواقع الجديد؟